الرئيسية / بأيدي نويدرية / كُتاب / الاستاذ يوسف مدن / كارثة فيضان مياه البحر على أراضي قرية النويدرات للباحث الأستاذ يوسف مدن

كارثة فيضان مياه البحر على أراضي قرية النويدرات للباحث الأستاذ يوسف مدن

الأستاذ يوسف مدن
الأستاذ يوسف مدن

شهدت كثير من شعوب الأرض في تاريخها أشكال من المتاعب والمصاعب، ومن ذلك ما يحدث لها من كوارث طبيعية، وأزمات إنسانية، وما نجم عن ذلك من تأثيرات سيئة في حياتها الاجتماعية، وبالرغم من وضع الله سبحانه مجموعة قوانين طبيعية لضبط حركة الحياة وتنظيم ظواهرها الكونية، فجميع الكوارث الطبيعية من (فيضان، وزلازل، وهزات وثورات بركانية، وانكسارات أو انهيارات في تربة الأرض، وسيول أمطار غزيرة، وعواصف) هي أمْر قد اعتادته عليه شعوب الأرض، وعانت من نتائجه المدمرة بين حين وآخر، ولم تستثن من ذلك البحرين، وجزرها، وبعض مناطقها، وقراها، فشهدت في سنوات متفرقة كوارث طبيعية كحادثة ” الطبعة ” المعروفة بين بحر جزيرة النبي صالح والبلاد القديم، وحادثة فيضان ميَاه البحر وزحفه على الأراضي اليابسة لقرية النويدرات، ودخولها بيوتهم علم ١٩٦٤م.

إنَّ بعض مناطق الأرض قد واجهت في حياتها حوادث مفجعة، وكان بعضها طبيعية لا دخل للإنسان في صنعها، ومع ذلك فهي بمثابة ابتلاءات إلهية تعرض على الإنسان، وقد عاش أهالي قرية النويدرات في الأسابيع الثلاثة الأولى من بدايات عام (١٩٦٤م / رمضان ١٣٨٣هـ) إحدى أهم الكوارث الطبيعية شدة وقوة ومعاناة، وتأثيراً في حيَاة سكَّانها وأهَاليها الكرام، وهي كما عشنا مرارتها بمثابة (كارثة طبيعية) نتيجة حدوث فيضان في مياه البحر إلى أراضي القرية، وقد تركت هذه الحادثة بصماتها عميقة الجروح في حياة الناس منذ أكثر من نصف قرن ونيف من السنين، ونحن هنا نحاول استذكار الحادثة وبعض نتائجها كواقعة مفجعة، وتوثيقها كتاريخ مضى عليه من الزمن ما يزيد عن نصف قرن، وسنوات ثلاث.

قصور وانعدام التوثيق الإعلامي – التاريخي للحادثة:
ويلحظ أن الحادثة، على فجائعها، وما تركته من خسائر فادحة لم تأخذ حظها من التوثيق الإعلامي، ولا التوثيق التاريخي من فئات عديدة ومختلفة، بل حتى  المعمرين، وكبار السن ومنْ أتاح الله لهم فرصة تجرع مرارتها لا يتحدثون عن تفاصيلها إلاَّ حينما يُسْألوا عن كارثتها، ويُذَكَروا بحال الناس فيها، فالدراسات التاريخية لدى الباحثين البحرانيين لم تذكرها، أسوة بنظيراتها من الحوادث المفجعة التي عصفت بأهل البحرين، فمصنف كتاب (طبعة البلاد القديم)، وهو دراسة تاريخية مستحدثة لم يأت على أية إشارة بشأنها، ونقصد عدم ذكر حادثة “فيضان مياه البحر” على الأراضي اليابسة لـ”قريتي المعامير والنويدرات”، وحصول نكبة إنسانية فيهما على مدار شتاء عام ١٩٦٤م.

ولم نعثر حتى الآن، ولعله تقصير منَّا في البحث أو لسبب آخر، على مصدر إعلامي في بلادنا البحرين (كالجرائد، والمجلات، والإذاعة المحلية المسموعة) قد ذكرت هذه الحادثة بشيء ما، ولم تأخذ نصيبها من الاهتمام لا من الشعراء المحليين، ولا من غيرهم إلاَّ إذا فُقِدَ تراثهم أو بخل بعضنا عن نشره لعدم وجود إمكانيات توثيق ونشر وحفظ وقائع الحادثة وتفاصيلها.

كما أنَّ الكتب التعليمية منذ سنة ١٩٦٤م لم تشر للحادثة في كتب الجغرافية، ولا كتب التاريخ ومناهجه، بل تجنبت كتب اللغة العربية الإشارة إليها، وأصبحت منسية، بل ولسوء حظ ضحاياها في زوايا الإهمال، وغير ذي بال لدى الكتاب والإعلاميين، وغيرهم، ولم يرْوِ الواقعة أحد من الأهالي، بخاصة شاهدي العيان لها، وبطريقة كتابية، وإنْ كانت روايتها الشفهية اللفظية شائعة ورائجة كانت سبباً في حفظها من النسيان، وباستثناء ما كتبته الدراسة التي أعدتها مدرسة النويدرات الابتدائية للبنات عن تاريخ قريتي (المعامير والنويدرات) كادت هذه المصادر، ولأسباب متعددة غير مقصودة أن تخفي تفاصيل مهمة عن الحادثة، وتنسيها النَّاس من أجيال حاضرة متأخرة عن تاريخ وقوعها في يناير عام ١٩٦٤م / رمضان ١٣٨٣هـ.

مصادر توثيق الحادثة:
وبالرغم من قصور التوثيق الإعلامي، فإنَّ وقائع الحياة تؤكد أن منْ لم يجد فرصة في التوثيق تتحول حقائق فعلية من حياته إلى نسيان تام، بيد أن توثيق الوقائع والحوادث يساعد على حفظها، وتعزيز سرد وقائعها، وهو أمر يؤدي إلى تفاعل الناس معها بدرجة معينة، لهذا نتذكر بعد مضي أكثر من نصف أهم وأشد هذه الوقائع القاسية في القرية، وهي وقائع لا ينبغي عدم توثيقها لشدة ما حدث منها في الحياة الشخصية والواقع الاجتماعي، ولا يمكن حفظ توثيقها إلاَّ بتحديد مصادر توثيقها، وبسرد حادثة وقوعها في الواقع البشري.

وندعو بعض المهتمين بتاريخ القرية وتراثها إلى متابعة واقعة فيضان مياه البحْر، وتوثيقها، وحفظ ما يمكن تذكره من وقائع الأحداث فيها سواء من كتَّاب أو باحثين في التاريخ، أو إعلاميين أو هواة بحث واستطلاع لحياة شعوب، فعن طريقهم يمكن استكمال عملية توثيق هذه الحادثة لتبقى في ذاكرة الأجيال الحاضرة، ويعلمون ما تعرض له آباؤهم وأسلافهم الأخيار والطيبين في حياتهم من متاعب الدنيا، وصعاب الحياة.

وهناك حتى اللحظة الحاضرة طريقان يمكن اعتبارهما مصدران أساسيان من مصادر التعرف على ظواهر تاريخية في حياة أهالي النويدرات، ويمكن عن طريقهما توثيق الحادثة بنحو مجمل، ونقصد حادثة فيضان مياه البحر في أراضي قرية (النويدرات المحروسة) بلطف الله وعزه، وما صحبها من تخريب كثير من مظاهر الحياة الطبيعية لدى الأهالي، فالطريقان أو المصدران في توثيق الحادثة وتأكيدها في ذاكرة الناس هما:

  1. ذاكرة بعض المعمرين، وكبار السن، ومن عاصر الحادثة منهم، ومن هم أقل منهم عمراً الذين شهدوا الواقعة وهم يملكون قدراً من الوعي بها، ويحملون شيئاً من المعرفة عنها، فهم حتى اللحظة الحاضرة من عايشوا محنتها القاسية، وما يزالون أقدر على التعبير عن معاناتهم الإنسانية رغم ما انمحى من ذاكرتهم عن تفاصيلها، وما تزال فرصة توثيقها منهم بقدر أكبر من المعلومات قائمة، وأنَّ التباطؤ في توثيق الحادثة مما عاصروه، يقلل فرصة الاستفادة منهم في التوثيق التاريخي، والتوثيق الإعلامي بخاصة وأن الجميع بما فيهم المهتمون من الباحثين عن الحوادث المفجعة قد صمت عن تسجيل وقائعها في مصدر كتابي سوى دراسة يتيمة، وإشارة مختصرة، وغير كافية لها في أحد مواقع النشر الثقافي، والتراث التاريخي الالكتروني، وهو موقع “سنوات الجريش”.
    ذكرها الموقع في أرشيف المدونة، وكخبر قصير، وبسيط لم يذكر تفاصيل كثيرة، وكخبر عن تراث قرية المعامير وما نزل بها من آثار حادثة الفيضان، وكان حدود الكتابة عن الحادثة بأقل من حدود صفحة، وربَّما لم يتجاوز النشر عنها في هذا الموقع حدود نصف صفحة بتاريخ متأخر جداً قارب خمسة وأربعين عاماً عن تاريخ الواقعة في عام (١٩٦٤م / ١٣٨٣هـ)، تاريخ النشر يوم (١٨ / ٩ / ٢٠٠٨م)، ولأن الأجيال الجديدة معزولة عن تأثير الحادثة فلم يتفاعل مع الخبر أحد منهم.
  2. القيام بإعداد وإجراء المزيد من الدراسات الكتابية عن تاريخ القرية وماضيها القريب والبعيد، واستدعاء ما يمكن استدعاءه من معلومات راسخة في أذهان المعمرين، وبعض الكتاب وتخزينها في دراسات تاريخية مكتوبة ومعتمدة.

 إنَّ الحادثة المذكورة هي فعلاً من فجائع زماننا، وكانت إحدى أهم الأحداث التي لا تنسى أبداً في ذاكرة منْ شهِدَ مأساتها، واتخذت منذ وقوعها طابعاً تاريخياً حفرت بصماتها في تاريخ القرية، ووجوده كحقيقة في النفوس، ولكن لسوء الحظ لم تأخذ هذه الحادثة حقها من التوثيق، فلم تذكرها بشيء تستحقه سوى دراسة يتيمة، وهو ما جاء في دراسة تاريخية أعدتها مدرسة النويدرات الابتدائية للبنات في العام الدراسي (٩٥ / ١٩٩٦م).

ونأمل أنَّ الإشارة إليها من جديد قد يفتح الباب لمزيد من الكتابات التاريخية، وإلاَّ ستطوي نفسها بموت المعمرين، ومنْ عاصرها منهم، ومَنْ بخل عن تثبيتها في مصادر كتابية مؤكدة وموثقة، وهم ولله الحمد كُثْر في قريتنا، ولهذا تعتبر هذه الكتابة التي أعددناها كأحد مظاهر التوثيق للحادثة، وتعزيزاً لما ذكرته دراسة مدرسة النويدرات الابتدائية للبنات، ونرجو التوسعة المعرفية في جهود آتية.

مفهوم الفيضان (لغة واصطلاحاً):
تتوسع لفظة “فاض، فيضان” بمعاني عديدة، ولكن ما يعنينا هو مصطلح (فيضان المياه)، حيث يذكر لفظ “فيضان الماء”، و”فيضان مياه البحر أو النهر” في المصادر اللغوية بأحد معانيه الواسعة الجامعة لمعنييه اللغوي والاصطلاحي، ويذكر بهذا التحديْد في مصادر عديدة كالمراجع اللغوية، ووسائل الإعلام، وأدوات الثقافة والمعرفة، وعلوم الطبيعة، وكتب الجغرافيا والتاريخ، وغيرها من المصادر المتداولة التي يستعين بها الباحثون لإعداد دراساتهم.

ويقصد بالفيضان هنا، وهو ظاهرة طبيعية ملحوظة في حياة الناس معنى ((كثرة وتراكم المياه التي تغمر الأرض اليابسة، وجمعه فيضانات))، وبمعنى ((ارتفاع نسبي واضِح في منسوب مياه النهر أو مياه البحر)) عن مقْداره المعْتاد، فعند حدوث هذه الحالة تكثر المياه حينئذ وتزيد، وتتدفق كمياته الزائدة صوب الأرض اليابسة، وتسيل عن حدود سواحله أو ضفتي النهر بخاصة حينما تكون اليابسة أقل ارتفاعاً من مستوى سطح البحر، وحينما يكون حال الماء هكذا، ويتعدى حدوده الطبيعية يتدفق إلى الأرض اليابسة، فيؤذي الممتلكات، ويجرف كل شيء أمامه كالمواشي والبشر، والأشياء المادية، وقد يحدث انهياراً في التربة، والزرع وغيره، ويتسع هذا المعنى للفيضان لمفهومه اللغوي والاصطلاحي معاً، أي تطابق معنياه السابقين في مفهوم واحد تقريباً.

الوصف العام لواقعة فيضان مياه البحْر في ذاكرتنا:

يوم صعب في تاريخ النويدرات:
كان المكان بالتحديد هو (قرية النويدرات البحرانية.. بحرها، وشوارعها، وداخل أزقتها، وبيوتاتها)، وكان ذاك جزءً من مساحتها الجغرافية، وبخاصة أراضيها الواقعة في قسمها الشمالي، وفي شمالها الشرقي.

والزمان في الساعة الثامنة من صباح يوم الأحد أو الاثنين، وصادف يوم الرابع أو الخامس من شهر رمضان المبارك سنة (١٣٨٣هـ)، وقابله بالتقويم الميلادي يوم (١٨ أو ١٩) من شهر يناير عام ١٩٦٤م، أي قبل (٥٣) سنة ميلادية، وأقل من (٥٥) سنة هجرية.

وما كان يعرف في الوثائق المحلية لأهالي النويدرات بـ”بحر النويدرات” تحوَّل فعلياً في اليوم المذكور إلى بحْر تلاطمت أمواجه مع بعضها، وربطت الحادثة (مياه بحر العكر – سترة) بأراضي النويدرات وبيوتاتها، وطفحت على سطحه بعض أنواع الأسماك (ميتة) لشدة البرودة، وقد تجمد بعضها في المياه المتلاطمة بأراضي الخلاء الواسع الفاصل بين قريتي (النويدرات والعكر)، وطفَتْ أشكال من الأخشاب، والألواح والحشائش التي حملتها المياه على سطحها، فتوزعت بين شوارع قرية النويدرات الضيقة والواسعة على حد سَواء.

ومنظر القرية في ذلك اليوم المشهود، والمجهد، وما بعده من أيَّام كئيبة بخاصة منظر المستنقعات المتناثرة على امتداد (حدودها الشمالية والجنوبية والشرقية)، قد تغير تماماً، وأصبح علامة على بؤس فاضح غلبَ قدرات الناس وإمكانياتهم لحين مؤقت من الزمن.

ويتذكر أهالي قرية النويدرات، وسكان القرى المجاورة لها ممن زادت أعمارهم اليوم عن الستين سنة وما فوق مشاهد هذه الحادثة القاسية التي كانت أشبه بكارثة طبيعية حقيقية، فحفرت ذكرياتها الشديدة في عقول الناس وحياتهم، ونفوسهم، حيث بدأت ميِاه البحر في الساعة الثامنة صباحاً بعد ارتفاع منسوبه عن مستوى اليابسة القريبة منه، فانطلقت مياه البحر صوب أراضي النويدرات، وغمرها في وقت قصير لم يتجاوز ساعتين، وكان ذلك في يوم شتوي بارد (١٨ من شهر يناير عام ١٩٦٤م)، والناس صيَام، ويوافق التاريخ يوماً هو الرابع من شهر رمضان عام ١٣٨٣هـ)، وقيل في الخامس منه، أي يوم (١٩ يناير ١٩٦٤م) إمَّا يوم (الأحد أو الاثنين)، وهو يوم تذكرته عائلات النويدرات بأسرها، كما تتذكره عائلة آل عمران النويدرية بوجه خاص بولادة ابنها البار الدكتور قاسم بن محمد بن مكي عمران، وكما نقل هو شخصياً، وكذلك ما ذكره عمه المربي الفاضل أستاذنا (موسى بن مكي عمران) مدير مدرسة المعامير الابتدائية للبنين.

لقد كان يوماً مشهوداً في تاريخ النويدرات، وما زلت أنا شخصياً، وكل من هو في سني أو أكبر مني ببضع سنوات، وهُم اليوم أحياء يرزقون يتذكرون هول “المنظر” في ذلك اليوم الرهيب، وتأثيرات وقعه النفسي والانفعالي، وما ترتب عليه من أضرار بالغة، وخسائر كبيرة لحقت بالأهالي إثر اجتياح مياه البحر لأراضي القرية المذكورة من مزارع وحظائر وأشجار نخيل، ودخول المياه بيوت أهاليها، وتخريب الكثير منها بخاصة أنَّ بعضها “برستجات وعرشان”، أو دور سكنية متواضعة، ومتهالكة مبنية من الطين، والحجَارة، أو من سعف النخيل، والإضرار البالغ بها، وببمصالحهم، وممتلكاتهم الشخصية والعائلية.

لقد عبرت مياه البحر من الجهة الشمالية – الشرقية المفتوحة من شمال غرب قرية العكر، والآتية من المقطع البحري الفاصل بين سترة والعكر أراضي اليابسة في قرية النويدرات، وقطعت حوالي كيلومترين، فغمرت المياه المتدفقة، بسرعة قوية، وبارتفاع زائد عن منسوبه أراضي ما عرف في بعض الوثائق بـ”بحر النويدرات”، وهو متصل جغرافياً بسيحتها الزراعية، فوصل تدفق مياه البحر، والطقس آنذاك كان بارداً، وشديد القسوة إلى محيطها، فتسللت مياهه بتدفق شديد وسريع إلى بيوت الأهالي، ودخلت دورهم، وغرفهم، ومناطق سكنهم من عرشان وبرستجات، وواجهات، وتركت فيها تخريباً ودماراً واسعاً، وملحوظاً، وفي قريتهم الآمنة التي لم تعرف يوماً صعباً كهذا، حيث بات الأهالي كما أتذكر ليالي الكارثة، والكثير منهم، والمياه داخل غرفهم، وبرستجاتهم، وأفنية دورهم السكنية، وتعددت الانفعالات التعبيرية للأهالي بوصف هذه الواقعة بينهم بـ(طوفان، وعافور، وقامت القيامة).

ذكرت تسمية المساحة الرطبة الفاصلة بين قريتي العكر والنويدرات، وهي المطلة على بحر العكر – سترة من جهتي الشمال والشرق باسم “بحر النويدرات” ، وذلك في وثيقة (مصالحة اجتماعية) تاريخها يعود إلى عام ( ١١٤هـ / ١٧٣٠م)، وهي أراضي خلوية تكون دائماً أرض رطبة تستقبل تدفق مياه البحر في حالات المد والجزير، ليصل إلى أقصى الأطراف الجنوبية من شارع الشيخ جابر الأحمد الصباح أو أرض الشريعة بتعبير الأهالي سابقاً، أما الآن فقد تم وضع سواتر منعت المياه الآن، وتحولت مساحتها الجغرافية إلى أرض مسكونة باسم قرية العكر الغربية الذي يعود قرار تأسيسها لقرات إدارية من دائرة الشؤون القرية في عام ١٩٥٧م، أي من قبل ستين عاماً ميلادياً، وأضيف ما سمي ببحر النويدرات مع فريق السبيل لتكون قرية باسم قرية العكر الغربي، وقد وتم بناء عدد كبير من المباني عليها، ومن ذلك مبنى مدرسة أم القرى الابتدائية الإعدادية للبنات، وبيوتات للمواطنين، ومتاجر ودكاكين، ومسجد كبير، ومستشفى على أطراف حدودها مع النويدرات باسم مركز أحمد بن علي كانو.
وثيقة تاريخية مهمَّة مؤرخة في ٢٠ من جمادى الثانية سنة ١١٤٢هـ ، الموافق ١٠ من يناير ١٧٣٠م ، وتذكر (سيحة النويدرات وبحرها)، وقضايا أخرى، ومصدر الوثيقة الأخ عبد الله بن الحاج علي بن عبد الله آل مدن (بيت مسعود)
وثيقة تاريخية مهمَّة مؤرخة في ٢٠ من جمادى الثانية سنة ١١٤٢هـ ، الموافق ١٠ من يناير ١٧٣٠م ، وتذكر (سيحة النويدرات وبحرها)، وقضايا أخرى، ومصدر الوثيقة الأخ عبد الله بن الحاج علي بن عبد الله آل مدن (بيت مسعود)

ولم يستطع الناس، وحتى الحكومة بإمكانياتها القليلة أن تفعل شيئاً لهم، وبقي حال الناس على وضعه الصعب أيَّاماً حتى بدأ منسوب مياه البحر المتدفقة في التراجع شيئاً فشيئاً، واسترداد البحر مياهه الزائدة والفائضة إلى شواطئه السابقة بعد أنْ أفسدت حال البلاد والعباد، وقد ظلَّت اليابسة في أراضي النويدرات، وبيوتات أهلها من بعده تجف قليلاً، وبدأت المياه في التقلص التدريجي، ومن ثم بدأت أراضيهم وبيوتاتهم تتعرض لأشعة الشمس وحرارتها حتى عادت الأمور إلى مجراها الطبيعي بعد أكثر من ثلاثة أشهر، وحتى انتهاء أيام فصل الشتاء.

تلك بلا شك، حادثة أليمة مفاجئة لمْ يَنْسَ الناس وقع تأثيرها النفسي عليهم، وما نتج عنها من أضرار سكنية، وما اصطحبها من خسائر سكنية، واقتصادية لهم، وكان أغلبهم من معسوري الحال، فقد عشت شخصياً، وأنا ابن العاشرة، وما دونها بأشهر قليلة، ضغوطات مرارتها الثقيلة، وتجرعت مع آلاف الناس غصة صعوباتها، نتيجة الخراب الذي لحق بعدد كبير من الأسر في القرية، ومنذ ذاك التاريخ، وذاكرتي تختزن مع آلاف الناس من أبناء قريتي المحروسة مشَاهد واقعة “فيضان البحْر” وارتفاع منسوب مياهه وزيادة كميته، ومداهمة بيوتات للأراضي اليابسة في القرية، وإلحاق بالغ الأضرار بهم، وبممتلكاتهم الخاصة.

لقد طوى الزمن، وتاريخ قريتنا (النويدرات) هذه الحادثة الصعبة بعد عمر قارب (٥٤) عاماً ميلادياً، وأقل من (٥٥) عام هجري، وهي من أحداث تاريخها في القرن العشرين، وما يزال الباقون منهم يتذكرون مناظرها الرهيبة، وقسوة نتائجها على أحوالهم النفسية والاجتماعية، ومع ذلك صمد الأهالي بعون الله وقدرته، وتحملوا مشاقها بالممكن المتاح.

واختلف الأهالي في تسميتها بخاصة كبار السن، فقد شبَّه بعضهم هذه الواقعة بـ”طوفان” حسب تسمية الوجيه المرحوم الحاج جاسم بن علي بن أحمد بن إسماعيل مختار قرية النويدرات آنذاك، وأسماها المرحوم الحاج كسيل بن أحمد بن كسيل طيب الله ثراه “عافوراً”، وأسماها بعض الناس من أهالي القرية بـ”الفيضان”، أي فاضت مياه البحر عن منسوبها العادي، وتجاوزت حدود الساحل إلى اليابسة، ثم عبرت بحر النويدرات بحسب تعبير الوثائق المحلية النويدرية، فدخلت بيوت الناس في قرية النويدرات، وأحدثت خراباً واضحاً، أمَّا زوجة السيد حسين الهندي، فقد وصفتها في أرجوزتها القصيرة، وهي تنادي جارتها الحاجة حسينة بنت ابراهيم بن أحمد بن إسماعيل بقولها في أهازيج انفعالية: “قامت القيامة، والسيد في المنامة، يا خويتي حسينوه”.

تفاوت مستوى ارتفاع كميات مياه الفيضان:
من الظواهر الملحوظة في حادثة فيضان مياه البحر (الواقع بين قرية العكر وجزيرة سترة)، وتدفقها على اليابسة من أراضي قريتي (النويدرات والمعايير) صعوبة التحديد الدقيق لارتفاع المياه المتدفقة في مناطق متفرقة غمرتها المياه، وسبب ذلك فيما نظنه أن الأراضي التي غمرتها المياه ليست متساوية العمق، بين أراضي مرتفعة نسبياً، وأراضي أقل ارتفاعاً لوجود حفر طبيعية، وهذا ما جعل المياه متفاوتة في عمقها بالرغم من أن المياه في المنطق العلمي تكون “متساوية” في منسوب ارتفاعها على السطح الفوقي للمياه المتدفقة، أي أنَّ السطح العلوي للمياه يكون ارتفاعه عادة بمنسوب واحد ومتساوٍ وإنْ تفاوت العمق من منطقة إلى أخرى.

وقدَّر بعض (أهالي قرية النويدرات الذين ما زالوا حتى الآن على قيد الحياة)، ممن شهد حادثة الفيضان بمناظرها الصعبة على أرض قريتهم تفاوت عمْق المياه وارتفاعه بين قدم واحد في حده الأدنى بمناطق مستوية من القرية كما في بعض البيوت والشوارع، وبين عمق أكثر من (قدم إلى أقل من قدمين) في مناطق أخرى من أراضي النويدرات تفاوت في عمقها، فكلما كانت الأراضي غير متساوية في ارتفاعها كان كميات المياه فيها هي الأخرى غير متساوية، وحملت المياه في كل حالات عمقها (هنا وهناك) أخشاباً وألواحاً، ومجموعات متنوعة من الحشائش، وفضلات الأعواد، والأوساخ، وغيرها، كما تناثرت فيها أسماك ميتة، وأخرى كانت حيَّة لحظة وصولها إلى عمق القرية كما رأى بعض الأهالي، وسمعنا منهم.

ذكر لي بعض الأهالي اصطياده، وانتزاعه مع بعض الأصدقاء الصغار سمكة (هامور) كبيرة من المياه التي غمرت الأرض بالقرب من منطقة سوق النويدرات، وهي حيَّة في ماء شديدة البرودة.

أركان الحادثة وعناصرها:
عرفنا من سياق حديثنا عن الواقعة أنها حادثة فيضان مياه البحر المحيط بالنويدرات من جهة الشمال الشرقي القريب من قرية العكر، وكانت أرض النويدرات أقل ارتفاعاً من أرض العكر، فتدفقت مياه البحر تجاه الجهة الأكثر نزولاً في سطحها، وفي شكل سيول جارفة صوب قرية النويدرات، وغمرت مساحة كبيرة من جغرافية القرية في مناطق سكنية وزراعية، وأراضي خلوية كانت تسمى في بعض الوثائق التاريخية بـ”بحر النويدرات”، وإذا كان الفيضان واقعة مباغتة، ومريرة، ومحنة قاسية في ظروف ضعف يعيشها أهالي النويدرات، فهي تستبطن ثمة عناصرها في كيانها كحادثة تاريخية لم يستطع من عاصرها نسيان مراراتها.

ويمكن تحديد أركان هذه الحادثة، ومعرفة عناصرها بما يأتي:

  1. المكان، وهو عنصر بارز وواضح، وتم تحديده بأرض قرية النويدرات بخاصة في قسميها (الشمالي، والشرقي) الممتد من بداية ” بحر العكر – سترة ” حتى ما عرف لدى أبناء النويدرات بمنطقة الشريعة، وهو الذي يسمى اليوم بشارع الشيخ جابر الأحمد الصباح، كما امتدت السيول إلى أواسط القرية واخترقتها عدا البيوتات الأكثر ارتفاعاً كبيوتات المرحومين الحاج علي بن محمد بن كاظم، والحاج كسيل بن أحمد، وأولاد مكي بن الحاج عمران، بخاصة بيت (الحاج محمد، وعلي، وموسى) آل عمران، وجميعهم بالفريق الجنوبي المعروف آنذاك باسم فريق صلبوخ، (انظر كتاب حنين الحاضر إلى عبق الماضي، قسم الحوادث التاريخية، ص ٨٢ – ٨٣).
  2. والزمن هو الآخر عنصر مهم في هذه الحادثة القاسية، وتم تحديده بأكثر من مظهر زمني، فتوقيت بدء الحادثة (وتدفق مياه البحر) هو الساعة الثامنة صباحاً، أما تاريخ وقوع الحادثة فكان يوم (الأحد صباحاً) الرابع من شهر رمضان، وقيل وقع في صباح يوم الاثنين الخامس من الشهر الكريم عام ١٣٨٣هـ، والموافق (١٨ / ١٩) من شهر يناير سنة ١٩٦٤م، وتوافق مع تاريخ ولادة ابن القرية البار الدكتور قاسم بن محمد بن عمران كما قيل من مصادر شخصية وقرابية.
  3. والعنصر الثالث فهو الفعل الإنساني في مواجهة الحادثة ومشكلاتها المترتبة عنها، ونعني ما قام به بعض الأهالي الذين عاشوا تجربة الواقعة بأم أعينهم، ونقصد التصدي المباشر لواقعة تدفق المياه وسيوله الجارفة، ومحاولتهم بالإمكانيات المتواضعة وضع حلول سريعة للإبطاء من تدفق المياه، وتقليل أضرارها كوضع سواتر ترابية، ونقل بعض الممتلكات إلى أعلى السطوح، أو أماكن مرتفعة، ونقل الأطفال من مدارسهم إلى البيوت أو أماكن آمنة عن طريق السيارات الخاصة، وهي آنذاك قليلة ومحدودة، وحماية النساء والرضع، والأطفال الصغار دون سن المدرسة من قسوة الفيضان وسيوله الجارفة، وما ترتب عن ذلك من فعل الناس من تكاتف، وتعَاون، وتعاطف، واستبسال في حماية الممكن بخاصة حمَاية الأطفال والنساء.
  4. وآخر العناصر المشكلة للحادثة المُرَّة هي الأضرار التي نجمت عن سيول المياه وتدفقها، ونعني ما تركته المياه من آثار مدمرة على مساكن الناس، وممتلكاتهم الشخصية، وشتات بعض الناس من الأهالي في مناطق أخرى داخل القرية، ووقوع خسائر فادحة في الممتلكات الشخصية التي يمتلكها أهالي القرية.
    قيل أن القرية قد فقدت بعض أطفالها كما قيل في دراسة مدرسة النويدرات الابتدائية للبنات، وهذا لم يثبت من أقوال الأحياء، ونعني من ذلك بعض أفراد عائلتي الطفلين، ولا من أقوال الأهالي الكرام، فالقرية فيما علمناه لم تخسر أحداً من أطفالها الصغار، ولم تفجع بموت واحد من أهلها، ولله الحمد والثناء والشكر.

الحادثة كما روتها دراسة مدرسة النويدرات الابتدائية للبنات:
سننقل في هذا الجزء المتأخر من دراستنا القصيرة نص الفريق الذي أعد الدراسة عن تاريخ النويدرات وتراثها الاجتماعي والثقافي، والفكلوري، والروحي، وذكر هذه الحادثة، ثم نضع في هوامشها السفلية بعض التعليقات بعد مرور أكثر من نصف قرن، وثلاث سنين، وذلك لتوضيح بعض الأمور الناقصة أو التي ظلت مخفية عن الأجيال الحاضرة طوال هذه المدة الماضية، ودون تدخل في تعديل أو تغيير نص الدراسة.

يقول فريق العمل بالمدرسة الذي أعد الدراسة:

“في سنة ١٩٦٤م، والتي يصادف شهر رمضان في يوم الخامس منه في الساعة الثامنة صباحاً، أصيبت قرية النويدرات بما يسمى الطوفان حسب تسمية الحاج جاسم علي أحمد أو (العافور) حسب تسمية الحاج كسيل أحمد، وهذا الحدث عبَارة عن ارتفاع الماء (الماية) ووصوله إلى بيوت القرية، وهي عبارة عن برستجات، مما جعلها تتأثر بسرعة، وخسر معظم الناس أغراضهم، ما عدا بعض البيوت المرتفعة لم تتأثر مثل بيت حاج محمد بن كاظم، والحاج كسيل بن أحمد، وأولاد مكي بن الحاج عمران، وكان بعض أولاد القرية بمدرسة المعامير فتعذر عليهم الوصول مشياً، فقام أحمد عبد الله إسماعيل بجلبهم لأن عنده سيارة، ويحكى أنَّ رجلاً هندياً يدعى (سيد حسين الهندي) يقطن القرية، وتصادف وجوده في سوق المنامة، فأخذت زوجته تنَادي أم الحاج علي بن مكي عمران قائلة:

قامت القيامة     والسَّيد في المنامة
يا خيتي حسينوه

كما فقدت القرية طفلين في هذه المسألة وهما:
ولد لبيت صالح بن مكي، وولد لبيت مرهون محمد مرهون، (انظر كتاب حنين الحاضر إلى عبق الماضي، قسم الحوادث التاريخية، ص 82 – 83)”.

تأملات في نص الدراسة:
ونعني وقفة تأملية قصيرة مع سلبيات النص وإيجابياته، وفي فحص بعض تفاصيلها بنحو اجمالي، فالحادثة لم تعد في نظرنا مجرد واقعة تمت في زمان سابق، وانتهت، فهي فعلياً قد روَّعت الناس بقدراتهم المتواضعة، وامتحنت صبرهم الروحي والإيماني وتكاتفهم الاجتماعي، لكنها في الوقت نفسه قد استبطنت شيئاً من العبرة والعظة، ونجحت في توليد قدر معقول من الروح الإيجابية لأبناء القرية، وهذا ما ألفه أهل البحرين، وتكاتفهم مع بعضهم في تحمل شدائد الحياة، والقدرة على الصبر على مواجهة هموم الدنيا وصعابها، وامتصاص مشاعر المعاناة.

القسم الأول: سلبيات النص:
ويمكن البدء بالقسم الأول (سلبيات النص):

  1. خلط النص لسوء حظنا بين التوقيت الميلادي، والتقويم الهجري، ولم يعط معلومات دقيقة عنهما، فقال النص: “في سنة ١٩٦٤م، والتي يصادف شهر رمضان في يوم الخامس منه في الساعة الثامنة صباحاً، أصيبت قرية النويدرات بما يسمى الطوفان”، ويفترض تحديد التاريخ الهجري بوضوح تام، وفصله – بتحديد دقيق – عن التاريخ الميلادي، وبنحو يكون لكليهما كيان مستقل، ويبدو أنه قد وقع الفريق في هذا الخطأ لاعتماد روايته على ذاكرة بعض كبار السن الذين لم يستطيعوا تمييز التاريخين (الميلادي والهجري) عن بعضهما، فجاءت العبارة خلطاً بينهما، والله سبحانه أعلم.
  2. لم يستكمل النص ذكر بعض الأسماء الواردة فيه، فقد ذكر الحاج جاسم بن علي بن أحمد، وتوقف عن استكمال اسم العائلة التي ينتمي إليها، وهذا يجعل معرفته بالنسبة للأجيال الحاضرة قدراً لا فرار منه، وأمراً لا يخلو من صعوبة، ويفترض تسمية عائلته (آل إسماعيل) وذكرها، بخاصة أنه في تلك اللحظة هو مختار القرية وعميْدها.
  3. وذكر نص الدراسة المعنية أن هناك رجلاً هندياً اسمه السيد حسين، وذكره بما يشبه حكاية تستعيدها الذاكرة، وحدثنا هذا النص عنه وكأنه يذكر أسطورة، فكلامه تعبير عن حقيقة، لا يعبر عنها بالقول: “ويحكى أنَّ رجلاً هندياً يدعى (سيد حسين الهندي) يقطن القرية، وتصادف وجوده في سوق المنامة، فأخذت زوجته تنادي أم الحاج علي بن مكي عمران قائلة”، وأنشدت شعرها الآنف الذكر والمثبت في نص الدراسة، والصحيح أن الرجل كان، وعائلته موجوداً في النويدرات، وتعيش أسرته بين أحضان أهلها بكل مودة واحترام، ودليل ذلك شعر الزوجة للسيدة المرحومة حسينة بنت إبراهيم بن أحمد إسماعيل (والدة الحاج علي، وعمران، وموسى) أبناء الحاج مكي بن عمران، وقد رآه باحث الدراسة في صغره مراراً يصاحب الناس ويمشي معهم.
  4. لا يبدو أنَّ فريق العمل بالمدرسة الذي أعد هذه الدراسة مع وافر شكرنا لهم قد أظهر الحقيقة فيما قيل عن فَقْدِ طفلين من أبناء القرية في الحادثة، وبخاصة أنه يمكن التأكد من ذلك، فعائلتهما موجودتان حتى الآن بالقرية، كما يوجد أفراد كُثْر من كبار في السن ومن أهاليها الذين عاصروا كارثة فيضان البحر على القرية، ويمكن عن طريقهم معرفة الحقيقة وتحديدها بدقة لكان أفضل، وكان من الممكن تحري الحقيقة، وإعطاء بعض التفاصيل الصحيحة، بيد أن تتبعنا لهذا القول وفحصه بالبحث والتقصي، لم يثبت لنا لحسن الحظ تأكيد وقوع ضحايا بين أهالي القرية لا أطفال، ولا نساء، ولا من رجالها.

القسم الثاني (إيجابيات النص) في وصف الحادثة:
نعم، ولوجود هذا النص عن الحادثة في مبنى الدراسة التي أعدها فريق من مدرسات وطالبات مدرسة النويدرات الابتدائية للبنات أثر إيجابي، وهو في حد ذاته عمل معرفي يمكن البناء عليه، وجهد تأسيسي في دراسة أولية لتاريخ قرية النويدرات، ولهذا يمكن القول بأن الإشَارة إلى طبيعة الحادثة، وما ترتب عنها من نتائج ملحوظة هو على درجة من الأهمية لأنه قد سرد حدثاً تاريخياً أذهل أذهان الناس، ومن النتائج الإيجابية المترتبة عن الإشارة للحادثة في دراسة المدرسة مَا يأتي:

  1. تعد الإشارة للحادثة في مبنى الدراسة عن ظروفها التاريخية ونتائجها هي الأولى في الكتابات التاريخية، وهي بمثابة درس للعظة والاعتبار، وتعد في نظرنا عملاً إيجابياً، ونأمل أن يحظى بمزيد من الاهتمام ودراسته، والتوسع في توثيقه على المدى الزمني القريب، فما يزال تاريخ النويدرات خصب يحتاج إلى دراسات مكثفة للتعرف عليه.
  2. أظهر نص الدراسة التي أعدتها المدرسة المذكورة تعبيرات لغوية ذات طبيعة سيكولوجية، وذات مردود نفسي، وتمثل عاكسة لهول الصدمة الوجدانية التي أحدثها الفيضان في النفوس، وقد تجسدت هذه الكلمات صدمة شديدة فيهم، ومن ذلك تأثير بعض كلمات مثل: (قول أحد البعض من أهالي القرية في وصف الحادثة بالطوفان، وإطْلاق مسمى “العافور” عليها من غيره لشدة تأثيرها النفسي، والمبالغة في وصف الواقعة كقول زوجة السيد حسين الهندي عنها بـ” قامت القيامة”).
  3. استثارت التعبيرات الانفعالية الهمَّة الذاتية لدى أهالي النويدرات في دفع ما يمكن دفعه من آثار الحادثة، وتقليل متاعبها عليهم، فأظهر الناس من أفراد القرية نشاطاً ملحوظاً من التعاون والتماسك الاجتماعي، ويمكن القول بأن المثال الصادق لهذا التعاون، واللحمة الاجتماعية نجده في جهود شخص المرحوم الحاج أحمد بن الحاج عبد الله بن علي بن أحمد بن إسماعيل، باستخدام سيارته الخاصة في نقل جموع أطفال القرية بلا ملل، ولا كلل من مدرستهم بالعكر الشرقي، وهم معزولين عن قريتهم النويدرات بسبب غمر المياه لمساحة اليابسة الفاصلة بين قريتي النويدرات والعكر، وقد أعانه الكثير من شباب القرية وأهاليها بتماسك وتكاتف.
  4. تمثل جملة الأدوار التي اضطلع بها أفراد القرية، وهم في محنتهم كتعاون الأهالي، وقيام بعضهم بنقل أطفال القرية من مدرستهم بسياراتهم الخاصة كما فعل المرحوم أحمد عبد الله إسماعيل، وبذل أقصى درجات التضحية والتفاني، والأنشطة الجماعية في مواجهة آثار الحدث بمثابة (مؤشرات، وحالات إيجابية) شديدة التعبير عن رغباتهم الذاتية في تجسيد مشاعر الروح المعنوية العالية للناس وتقويتها.
  5. كشف نص الدراسة المعنية، برغم نواقصه عن بعض المعلومات الناقصة، بل والمُغَيَّبَة عن ذاكرتنا تجاه وقائع الحادثة، والتي ارتبطت بها كواقعة تاريخية شديدة الأثر في الحياة الاجتماعية، ومن ذلك:
    • الإشارة إلى فقدان بعض أطفال القرية.
    • الإشارة المجملة لنتائج الواقعة، وما ترتب عنها من خسائر مادية كتدمير مزارع الأهالي وتخريب بيوتاتهم، وظهور المستنقعات بين منازلها، وما اختزنته من حشرات وهوام وأوساخ كريهة.
    • تنبيه أهالي القرية بعد وقوع حادثة الفيضان إلى أهمية الاستفادة مما وقع كبناء دورهم، ومساكنهم، وتشييد بيوتاتهم بطريقة مختلفة، كبناء البيوت على قواعد مرتفعة كي يحمونها من دخول مياه الأمطار مرة أخرى فيها، ولمواجهة تدفق مياه البحر في توقعات جديدة ومستقبلية.
  6. قيل على ألسن بعض الكبار من أهالي القرية أنها بعد الواقعة تمت زيارتها من بعض المسئولين لتفقد أحوال الأهالي، والتخفيف من معاناتهم، وكانت من الحلول المستقبلية لتقليل فرصة وقوع حادثة فيضان أخرى، وضْع حاجز، وساتر ترابي بامتداد طول الجهة الشمالية كلها، وقد تحوَّل فيما بعد إلى طريق تعبر منه بعض السيارات الصغيرة، ومنذ ذاك الوقت لم تتعرض القرية لفيضان جديد، بل وأصبحت أرض منطقة الفيضان قرية جديدة باسم العكر الغربي قبل إنشاء دائرة الشئون القروية عام ١٩٥٧م / ١٣٧٧هـ، فقد ورد هذه القرية في إعلان دائرة الشئون القروية (العدد ٣)، الصادر بتاريخ ١٦ من ديسمبر ١٩٥٧م الموافق ٢٤ من شهر جمادى الأولى سنة ١٣٧٧هـ.

مصادر الدراسة:

  1. الوصف الشخصي لبعض وقائع الحادثة عن طريق الباحث (باعتباره شاهد عيان، واعتماداً على ذاكرته الخاصة).
  2. وصف وأقوال بعض المعمرين وكبار السن.
  3. كتاب (حنين الحاضر إلى عبق الماضي)، دراسة أعدها فريق من معلمات وطالبات مدرسة النويدرات الابتدائية للبنات، المطبعة الحكومية، المنامة، مملكة البحرين، الطبعة الأولى، العام الدراسي ( ٩٥ / ١٩٩٦م).
  4. وثائق رسمية (إعلان دائرة الشئون القرية، العدد ١ / ٥٧)، محرر بتاريخ ١١ جمادى الأولى سنة ١٣٧٧هـ / الثالث من ديسمبر ١٩٥٧م.
  5. وثيقة نويدرية محليَّة (مصالحة اجتماعية بين الأهالي).

شاهد أيضاً

الأستاذ يوسف مدن

نساء من قريتي، وأدوار تاريخية مميزة للباحث الأستاذ يوسف مدن

النساء كما قال حديث نبوي شريف هُنَّ شقائق الرجال، ولهنَّ مثلهم أدوار تاريخية مميزة صنعت …

3 تعليقات

  1. دراسة مهمة وموفقة من الأستاذ والباحث القدير يوسف مدن لجزء مهم من تاريخ القرية العزيز على قلوبنا .. شخصيا حين قرأت الدراسة والبحث شعرت بتسلسل راقي في عرض المعلومات الكثيرة وتضمينها قيم جميلة مع معرفة أمور جديدة كانت غائبة عن ذهني ووعي تماما .. والأهم من ذلك دعوة الكاتب وحماسه في جعل البحث في مرحلة التأسيس لانطلاق عمل تاريخي للقرية ولم يعتبره نهاية .. نحن في ترقب المزيد منك يا أستاذ واصل أنت ومن معك من الفضلاء ووفقكم الله ..

  2. عزيزي اعتقد هناك خطأ مطبعي في بعض التواريخ التي ذكرتها أدناه ، ١٩٦٤, ١٨٦٤, و ١٩٧٤.

    “وحادثة فيضان ميَاه البحر وزحفه على الأراضي اليابسة لقرية النويدرات، ودخولها بيوتهم علم ١٩٦٤م.”

    “ونقصد عدم ذكر حادثة “فيضان مياه البحر” على الأراضي اليابسة لـ”قريتي المعامير والنويدرات”، وحصول نكبة إنسانية فيهما على مدار شتاء عام ١٨٦٤م.”

    “ولأسباب متعددة غير مقصودة أن تخفي تفاصيل مهمة عن الحادثة، وتنسيها النَّاس من أجيال حاضرة متأخرة عن تاريخ وقوعها في يناير عام ١٩٧٤م / رمضان ١٣٨٣هـ.”