الجرح الغائر بقلم عبدالله حسن حبيب

الجرح الغائر

مضى من الشهر الكريم أكثر من نصفه، استقبلناه بفرحة، وعشنا فيه خشوع القلب وهدوء الروح وطمأنينة النفس.
تتواصل لياليه العامرة بذكر الله وقراءة القرآن، وتمتمات التواصل بين الأهل والجيران، إلى أن تتوَّج ليلة النصف منه بتاج فرحة النبي الأولى بمولد سبطه الأول الإمام الحسن المجتبى عليه السلام.
بعد هذه الفرحة النبوية نستعد لذكرى حدث عظيم، هدّم الأركان وفصم العروة الوثقى.
الآن .. تخيّل معي ..
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، في الليلة التاسعة عشر من الشهر، يفطر عند ابنته أم كلثوم بزاد قليل، بعد أن استكثَر الطبق الذي يحوي إدامين، وذلك خوفًا منه أن يطول بسببه وقوفه بين يدي الله عز وجل.
تخيّل معي ..
يخرج عليه السلام لصحن الدار ويتأمل النجوم، وهو العليم بحالها، والخبير بطرق السماوات، ويقول: هي هي والله الليلة التي وعدني إياها حبيبي رسول الله.
تخيّل معي ..
وقوفه أمام باب الدار بعد أن انحلّ مئزره، وأخذ يشده، وصياح الأوز في وجهه وكأنها تترجاه عدم الخروج.
علامات الموت ورسائل الفراق من حوله، تنبئ بقرب الرحيل.
تخيّل معي ..
الله أكبر .. إنه يؤذن آخر أذان.
الله أكبر .. إنه يدخل في صلاته.
الله أكبر .. لا حكم إلا لله .. هذه كلمة حق ولكن يراد بها باطل كبير، وجرم عظيم.
ينزل سيف الغدر على رأسه الشريف.
تخيّل معي ..
ضربة غادرة مسمومة، يصيح بعدها فُزت.
أي فوز يا أمير المؤمنين؟ كلمة تحتاج منك شرحًا طويلًا قبل رحيلك الطويل.
تخيّل معي ..
رأس أشرف الخلق مشطور، ولحيته مخضبة بدمائه، وأبواب تصطفق، وريح سوداء قادمة بسواد الأيام المقبلة.
تخيّل معي ..
صوت جبرائيل: تهدّمت والله أركان الهدى.
وبعد كل هذه الخيالات، هناك حقيقة واحدة تختصر كل تلك المشاهد المفجعة: نحن أيتامك يا علي.

شارك برأيك: