الهدف من قصص التاريخ في القرآن
( كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا (99) من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيمة وزرا (100) خالدين فيه وساء لهم يوم القيمة حملا ( 101 ) سورة طه .
تمهيد
الآيات الكريمة السابقة لهذه الآيات كانت تتحدث حول تاريخ موسى وبني إسرائيل والفراعنة والسامري الملئ بالحوادث ، أما هذه الآيات فقد بينت في طياتها بحوثا مختلفة ، و القرآن الكريم بعد الانتهاء منها يستخلص نتيجة عامة فيقول :
( كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق ) ثم يضيف القرآن ، ( وقد آتيناك من لدنا ذكرا ) قرآنا مليئا بالدروس والعبر ، والأدلة العقلية ، وأخبار الماضين ، وما ينبه المقبلين ويحذرهم .
الهدف من قصص القرآن
القرآن المجيد هو كتاب يهتم بتربية الإنسان .مع هذا والقرآن يذكر تاريخ وقصص الماضين ، والهدف من ذِكرِ كل هذه الوقائع التاريخية التي جرت على السابقين في القرآن ليس أمرا اعتباطيا عبثيا ، بل الغاية منه الاستفادة من الأبعاد المختلفة في تأريخ هؤلاء . الإستفادة من عوامل الانتصار والهزيمة عندهم ،
و ما عوامل السعادة و الشقاء عندهم ، ؟ و كيفية الإستفادة من التجارب الكثيرة المخفية في طيات تاريخ أولئك السابقين .
التاريخ مختبر يظهِر نتائج تجارب السابقين
إن من أكثر العلوم اطمئنانا وواقعية هي العلوم التجريبية التي تخضع للتجارب في المختبر ، ثم تظهر نتائجها الدقيقة .
والتأريخ أيضا مختبر كبير لحياة البشر ، وفي هذا المختبر سر شموخ الأمم وسقوطها ، وسر نجاحها و فشلها سعادتها وتعاستها . فكلها وضعت تحت التجربة وظهرت نتائجها أمام أعيننا ، ونحن نستطيع بالاستفادة من تلك التجارب أن نتعلم قسما من معارفنا الأكثر اطمئنانا في مجال أمور حياتنا ، ثم نبني واقعنا من خلال الإستفادة من ذلك الماضي .
فالتاريخ هو حاصل حياة آلاف السنين من عمر البشر ، ولهذا السبب يؤكد أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) في مواعظه الحكيمة لولده الإمام الحسن
( عليه السلام ) على هذه النقطة بالذات، فيقول :
[ أي بني ، إني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي ، فقد نظرت في أعمالهم ، وفكرت في أخبارهم ، وسرت في آثارهم حتى عدتُ كأحدهم ، بل كأني بما أنتهي إليه من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم ، فعرفت صفو ذلك من كدره ، ونفعه من ضرره فاستخلصت لك من كل أمر نخيله ]
التاريخ الصحيح والتاريخ المزيف
ينبغي الانتباه جيدا ، فبمقدار ما يكون التأريخ الصحيح بنَّاءً ملهما مربيا نجد أن التواريخ المزيفة مدعاة للضلال والانحراف ، ومن هذا المنطلق فإن مرضى القلوب سعوا دائما إلى تضليل البشر وصدهم عن سبيل الله، بتحريف التأريخ . لذلك فالتأريخ أحد أسباب الهداية الإلهية ، و أحد أسباب الضلال والإنحراف .
أثر الإعراض عن العبر التي ذكرها القرآن
كلمة ( ذكر ) في الآية ( آتيناك من لدنا ذكرا ) ، وفي آيات كثيرة أخرى من آيات القرآن الكريم تشير إلى القرآن نفسه ، لأن آياته سبب لتذكر و تذكير البشر ، وسبب للوعي وسبب للحذر ، ولهذا السبب فإن الآية التالية تتحدث عن الذين ينسون حقائق القرآن ودروس التأريخ وعبره ، فتقول :
من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا .
نعم.. إن الإعراض عن الله سبحانه يجر الإنسان أن يتحمل أعباءً و أوزارًا ثقيلةً من الذنوب والإنحرافات الفكرية والعقائدية .
————————
راجع الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل – الشيخ ناصر مكارم الشيرازي – ج ١٠ – الصفحة ٧٢
———————-
معاني الكلمات
فاستخلصت لك من كل أمر نخيله نخَل الشّيءَ :غرْبَله، وصفّاه، واختار لبابَه