الموكب .. وأضلاعُه التي نخاف انكسارها بقلم الاستاذ عبدالاله قمبر

أولاً: القصيدة العزائية .. بين الخلود والضياع:

كيفَ للشاعرِ أن يحوّل قصيدته إلى قصيدةٍ خالدة؟

الأستاذ عبد الحسين سلمان
الأستاذ عبد الحسين سلمان

الشعرُ الموكبي الأصيل هو  ذلك الشعر الولائي الصّادقُ في إخلاصه، المتدفق الفيّاضُ بمشاعره، المراعي لطبقات مستمعيه وتشعب أفهامهم، الذي لا يوغلُ في العمق فيرفضُ، ولا يحبّذُ التسطيح فينقدُ، إنّما يوصل الرسالة السماوية المطلوبة الأصيلة، حافرًا في الوجدان معانيها عبرَ قالبٍ شعري، يعطّرُ بها ثنايا ذاكرتهم، ويشكل بالحزن والحماسة أحاسيسهم،  ويأخذُ بألبابهم حيثُ المصارع والمواجع والمنافع، فلا يكون تاريخ انتهائها سريعًا، بل مستدامًا طويلاً مخلّدا.

ولايتأتّى ذلك إلا بانتباه الشاعر – عند أول قطرة حبر يسكبها أو كلمة يخطّها – إلى سؤالٍ عميقٍ ينبغي الإجابة عليه: كيف يمكنُ تحويل القصيدة إلى قصيدة خالدةٍ؟

 

إن الإخلاص لله والاعتمادَ  عليه في كلّ أعمالنا، هو السبيلُ الأقربُ للهداية والتوفيق والبركات، فالإخلاصُ يمهّد الطريق، ويفتحُ المغاليق، ويأخذ بيديك لإدراك الأسباب وتحصيلها وثباتها على صفحات قلبك كطلب العلم والمعرفة، وتعلم الإرادة، وتملك أدوات النّجاح، وكلّ المفاهيم الدّاعمةِ لاستمرارك في هذا الطريق من أجلِ الوصول إلى أفضل الإبداعات وأسمى الغايات، قال تعالى: “والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا” العنكبوت 69،

فإن انطلق الشاعرُ من إخلاصه لله في خدمةِ دينه، فإنّه لا بد وأن يسعى كنتيجةٍ لـ تنمية مهاراته المعرفية في فنون الكتابة من البحور الشعرية، والأسس النحوية، والبلاغية والصرفية والإملائية، ويتعمق في قراءاته العقائدية والفقهية والأخلاقية والسيرية من مصادرها، والقراءة لمن سبقه من الشعراء المجيدين، الأوائل منهم والمستقدمين، كما يجب عليه تعلم الحكمة وعلومٍ شتّى، وما يؤخذ وما يُترك، وما يَجمعُ وما يفرّق، وما يُقوّي وما يضعف.

فإذا تملكَ ما يعينهُ، فعليه أن يُحسن اختيار الفِكرة، ويُحكم كتابة الفقرة، فيُسحّتها من الكلمات الشاذة المنفرة، ويؤنّقها بالصوّر الجمالية الموقّرة، ويبعدها عن كلّ ما استصعبَ عن الفهم والإدراك! أو أوقعها في الشبهة والإرباك، فليس الشاعرُ ملقيًا أمام نقّاد، أو هو في محفلٍ بين الشعراء والمفكرين والحكّام!!

ولأنّ الكلمة – فيما أرى – هي ذات السلطة الأقوى، والهدف الأسمى في الموكبِ، فوق اللحنِ وغيره، فإنَّ على الرواديد أنْ يتركوا مساحةً أكبر للشاعر، وإنْ لم يكن بمقدورهم التنازلَ عن سلطة اللحنِ وأولويته، فلا أقلها أن يتساوى الشعراء والرواديد في ذلك.

الصفحة التالية بعنوان :ثانيًا: اللحنُ والأداء ودورهما في صناعة الأجيال …

شارك برأيك: