ثانيًا: اللحنُ والأداء ودورهما في صناعة الأجيال …
الرادودُ الرساليُ القدوة!

الرادودُ هو تُرجمانُ المصيبةِ والحماسةِ والرّسالةِ، ومن دونِ أحاسيسه لا يمكنُ للكلمة إلا أنْ تصل مشوّهةً في أسماع متلقيها، فهو أنظف قنطرة، وأبرزُ قائدٍ، وأجملُ سفيرٍ من “سفراءِ الرّثاء”، ولكي يسطعَ نورهُ الرساليُ، ويهطلَ عطاؤه الإبداعي، وتينعَ ثمارُ جهوده، وتكونَ الكلمةُ من فمهِ أحدّ من ضربِ السيفِ، وأشدُّ من طعن السّنان، لابدّ لهُ من إخلاص النّية، واستحضار القُربة، واستشعار الوجوب وإن كان مستحبًّا!
ويمكنُ لأي واحدٍ منّا أن يكون “الرّادودَ الظاهرة الصوتية”، منساقًا خلف هبّاتِ الألحان المنوِّمة واللطمات المصطنعة، لكنّك لن تكون “رادودًا رساليًا مؤثرًا ومربيًا”، فإنْ أردت أن تكونَ كذلك، فصِرْ متعلمًا مطلعًا قارئًا ومثقفًا في كلّ ما يخصّ مجالك، ومن مشاربه النظيفة، فإنّ ذلك سيجعلُ من إلقائك ذا مغزى، وتفاعلك ذا معنى، فتكونُ حينها أنت والقصيدة شيئًا واحدًا لا يمكنُ التفريقُ بينكما، هي منك وأنت منها، وستنبعث منك قوةٌ إضافيةٌ دافعةٌ تحسّنُ من أدائك وإلقائك وتأثيرك.
ومنْ ثُمّ، فإنّ الجدّ والاجتهادَ والمثابرةَ في اختيار المقام الرّاثي الحزين، أو الحماسي المتوقّد، ضرورة للنّجاح والإبداع، ومن دون ذلك الجد والاجتهاد فإنَّ القصيدة العزائية ستتعرض للفشل والركاكة والاضطراب، وإتباعُ ذلك بكثرة التدرّب والإجادة، والاطلاعُ على خبرات الآخرين السابقين، والمشاركة معهم في صناعة القصائد المؤثرة وإلقائها.
الرادود القدوة:
إنّ الموقع المتقدم الذي يتسيده الرادود، والانجذاب العميق تجاهَهُ واتجاه اللحن، والشّهرة والسّمعة – بعيدًا عن استغلال الرادود لها والتمصلح من خلالها أو توجيه البوصلة نحو التعبّد بها والحيد عن القربة لله – التي يكسبها، تجعلُ منهُ إمامًا – قائدًا وقدوة – للجماهير، قدوةٌ يتَّبعها صنفٌ ويتأثر بها آخرون، لذا؛ يجب على الرّادود أن يكونَ شخصية إسلاميةً متزنةً، ومراقبةً لتربية النّفس والميل نحو تحقيق الأهداف السماوية، فلا ينساقُ خلفَ التّرهات والعبثية والفراغ والجهل والعصبية، ولا يتأثر بالمغريات الدنيوية والشكليات، ولا يحيدُ عن الهدف الذي صار من أجله رادودًا، في سرّه وعلنه، في ظاهره وباطنه.
بين سلطة اللحن وسلطة الكلمة:
ولموقعية الرادود واللحن، نجدُ – أحيانًا – أنّ سلطة اللحن طاغيةً على سلطة الكلمة! وأنّ الشاعرَ يعضُّ على أصابعهِ في سبيلِ كتابة القصيدةِ العزائية وإنْ تكسّر من أبياتها ما تكسّر! وتدمّر من صورها ما تدمّر، فأهميةُ اللّحنِ – للرادود ولجمهورهِ – تجعلُ هذا “التّيار جارفًا” نحو نقطة ارتكاز خطيرةٍ – وذات خاصرةٍ ضعيفةٍ – تعطي اللحن أهمية قصوى لدى المعزي مقابل الكلمة!! وتجعلُ منطلقات اللطمة هي اللحنُ فقط وفقط، وهنا تكمنُ الخطورة، فاللحنُ واللطمةُ لا تنفصلان كإيقاعٍ تنظيمي وفنٍ إرشاديٍ – وهو ما لا يختلف عليه اثنان – ، إلا أنّ أساسهما الأول والأخير هو: الحزنُ والحماسة المنطلقةُ من (المصيبة بالفقد، وخلود الرّسالة)، لذا فكما يحقُّ للرادودِ أن يعطي الأولوية للحن، فلتجرّب كل المنظومة أن يُعطى الشاعر الأولوية لكتابة النّص، من غير أنْ يخرجَ – الشاعر – عن أسس كتابة القصيدة الموكبية، وليجهدَ في ذلك ويتفرّغ ثمّ يبدع.