الدكتور عبدعلي (أيّ الصورتين نصدق؟ النبي ﷺ في القرآن أم في الروايات؟ )

المبعث النبوي

مأتم الجمعية الحسينية / النويدرات

شهر رجب 1447 هـ، يناير 2026م

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبله لفي ضلال مبين، والحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، والحمد لله الذي بعث محمدا (ص) بالهدى ودين الحق بشيرا ونذيرا لكل الناس كافة، وأظهر به الدين القيم وكفى بالله شهيدا.

احتفالاتنا بذكرى المبعث النبوي في اليوم السابع والعشرين من رجب في كل عام، تجديد للعهد الذي عاهدنا به الله ساعة كنا في عالم الذر، يوم أخذ الله علينا العهد وأشهد علينا ملائكته، ألست بربكم، فقلنا بلى، أنت ربنا، الواحد الأحد، لا شريك لك ولا عديل، أنت الله لا إلاه إلا أنت، ونشهد أن أنبياءك ورسلك هم عباد لك، بلغوا ما حملوا، وبشروا وأنذروا، وأن محمدا خاتمهم فهو عبدك ورسولك، بلغ ما حمل، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده.

وهذه الاحتفالات تحمل مضمون البيعة لله ولرسوله، والشهادة لله بالوحدانية، ولمحمد بالنبوة، وتعيد بيعتنا لله ولرسوله تحت الشجرة، وبيعة الرضوان، حيث كانت يد الله فوق الأيدي، ونحن لا نزال في عالم الأصلاب والأرحام.

ونقف في هذه الاحتفالات دقائق للتأمل والتفكر، فيما نطقت به آيات القرآن الكريم، وما دونته كتب السير والروايات، وسطرته كتب التواريخ، عن المبعث النبوي الشريف، والصور التي رسمتها للنبي (ص).

تجمع كتب السير والتواريخ أن محمد بن عبد الله (ص)، كان متجنبا مناكبا لعبادة الأصنام والأوثان، في طفولته، وشبابه، حتى يوم مبعثه الشريف، وأنه لم يقارب تلك العبادة في حياته لحظة من لحظات عمره، بل إنه لم يكن يوما من المتعاطفين أو المهادنين معها، وقد طهره الله من دنس تلك العبادة وصانه من قذارتها، وأبعد كيد الشيطان عنه.

ونقرأ في سورتي الضحى والانشراح، بعض ما يمكن أن يوصف به محمد (ص)، قبل بعثته، فقد كان يتيما فأواه الله وتكفل به، وكان في حيرة من أمر من حوله ومكوثهم على الضلال فهداه الله، وأبصره طريق الحق واضحا لا لبس فيه ولا شك، وشرح الله صدره وألهمه طريق الهداية، وكان فقيرا فأغناه الله، ويسر عسره، ورفع مكانته بين الناس، فعرف بينهم بالصادق والأمين. وفي آيات أخرى وصفه الله بالرحمة، وجنبه الفظاظة والغلظة، وأمره بالعفو والإحسان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإعراض عن الجاهلين.

وتجمع كتب السير والأحاديث، أن المبعث الشريف نزل على النبي محمد (ص) حين كان مختليا في غار حراء يذكر الله، ويتأمل حقائق هذا الكون، وأن بدايات القرآن الكريم هي آيات سورة العلق: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم.

وتوحي هذه الآيات بمكانة عظيمة للنبي محمد (ص)، حيث أن الله اصطفاه، وهو الشخص الأمي الذي لم يتعلم القراءة والكتابة، (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون. العنكبوت: 48)، وطلب منه أن يقرأ باسم الله الذي خلق، فلا حاجة لمعلم من الناس، وأن اللهالذي علم بالقلم، وعلم الإنسان ما لا يعلم، أكرمه بعلم منه،فأضحى مؤهلا للتبليغ ولحمل رسالة السماء. وباقي آيات السورة فيها تفصيل لبعض جوانب طبيعة الإنسان، الذي يطغى، ويستكبر، ولكن مصيره النهائي هو الرجوع لله، والخضوع لله.

هل كان المطلوب من النبي (ص)، لحظة نزول هذه الآيات أن يقرأ آيات قرآنية محددة مدونة في كتاب (القرآن)؟ أو أنه إعلان له، بأن يقرأ في كل آيات الله الطبيعية في الكون من حوله، فقد أهله الله لذلك، وهو المعلم الذي علم الإنسان ما لم يعلم؟ وبذلك يكون النبي محمد (ص)، العالم بطبيعة الأشياء، وبطبيعة الإنسان والمجتمعات البشرية، وأضحى مؤهلا لحمل الرسالة وتبليغها.

وردت الآيات القرآنية التي تطرقت إلى المبعث النبوي الشريف، بثلاث كلمات مفتاحية هي: بعث، أرسل، أوحي، وتحمل كل منها مضامين متقاربة، فكلمة بعث تشير إلى حالة سابقة لمن بعث إليهم، فقد كانوا في موت أو سبات أو غفلة فجاء البعث لإيقاظهم، وتنبيههم، وفيه معنى الإرسال، وفي البعث تبشير وتوجيه وتشويق، وفيه تقريع وتحذير وتخويف.

والإرسال إبلاغ رسالة، فلا يُسئَلُ المبلغ عن مضمونها، وإن كان المطلوب أن يوضح معناها ومغزاها. أما الإيحاء فتلك حالة البعث أو الإرسال، والطريقة التي تصل بها رسالة الله إلى النبي.

وتحدد الآيات مجتمعة أهداف الرسالة (لماذا أرسل النبي)، فهو بشير بخير كثير، وهو رحمة، وهو تطهير للنفوس، وتصحيح للقيم الاجتماعية، وهو نذير من عذاب أليم. وفيهاتتحدد أدوار النبي (ص)، فهو: البشير النذير، الدال على الله، المؤمن الموحد، المعلم الهادي، المطهر للنفوس، الحكيم المرشد، المجدد لرسالات الأنبياء، والمنظم والقائد. أما الوحي ففيه علم لدني من الله، ما كان لبشر أن يبلغه، إلا أن يكون مصطفى منه. وهكذا نقرأ في هذه الكلمة (أوحي إلي) كثيرا من المعلومات والمعرفة التي أوحاها الله لنبيه، دون حاجة لمعلم بشري.

وخلاصة القول، أن الشخصية التي رسمتها الآيات القرآنية للنبي محمد (ص)، تتمثل في رجل عظيم، مفكر، متدبر في الكون وما فيه من آيات، مبتعد عن كل مساوئ الجاهلية وفظائع أعمالها وهناتها، ذاكر لله، مدرك لحقيقة الله العظيم، يرى في العزلة فرارا من الجهل والمساوئ، تحوطه عناية الله أين ومتى ما حل وذهب، تزيده الرؤيا الصادقة عزيمة وثباتا، وشوقا لله وإيمانا به، وتكتمل صورته النورانية بنزول الوحي عليه، كاشفة آياتها الأولى له من أسرار الكون ما يثبت به فؤاده، ويقوي إيمانه، ويزيده استغراقا في الله، وفي آياته، وفي خلق الإنسان، وسلوكه المنحرف المتباعد عن الفطرة.

وتتضح الصورة كلما تعمقنا في النظر إلى المبادئ والأهداف والقيم التي حددها الله، وطلب منه الاستقامة عليها، والابتعاد عن الظالمين (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك، ولا تطغوا إنه بما تعلمون بصير، ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون، وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين، واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (هود: 112 115).

وفي سورة المدثر، نقرأ: يا أيها المدثر قم فأنذر، وربك فكبر،والرجز فاهجر، ولا تمنن تستكثر، ولربك فاصبر (1 7)، وفي أختها سورة المزمل: يا أيها المزمل، قم الليل إلا قليلا، نصفه أو انقص منه قليلا، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا، إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (المزمل: 1 5).

أما في روايات السير والحديث، ومن أبرزها: سيرة ابن إسحاق، وسيرة ابن هشام، وتاريخ الطبري، والبداية والنهاية لابن كثير، والكامل لابن الأثير، والذهبي في سيرة أعلام النبلاء، وفي كتب الأحاديث الأخرى، ومن جاء بعدهم من المؤرخين والمحدثين والكتاب، وكلهم ينقلون عن مصدر واحد، فملخصه، أن الوحي نزل على النبي وعمره أربعون سنة في غار حار، يختلفون في اليوم والشهر الذي نزل فيه، بين شهر ربيع الأول، وشهر رمضان، وشهر رجب. ويختلفون في الآيات الأولى التي نزلت، أهي اقرأ باسم ربك الذي خلق، أم يا أيها المدثر.

وملخص الروايات: أن الوحي نزل بواسطة جبريل، وكان على هيئته التي خلقه الله عليها، بأجنحته الكبيرة، المفزعة، في غار حراء، فطلب منه أن يقرأ، فقال ما أنا بقارئ، فأخذه جبرئيل فغطه، حتى بلغ منه الجَهد، ثم أرسله، وأعاد عليه الطلب: اقرأ، قال ما أنا بقارئ، فغطه ثانية حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله وأعاد عليه الطلب، فقال: ما أنا بقارئ، فأخذه وغطه الثالثة ثم أرسله فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَم الذي علم بالقلم.

وبعدها رجع إلى بيته خائفا مذعورا يرجف فؤاده، فدخل على زوجته خديجة قائلا: زملوني، زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: لقد خشيت على نفسي.

لكن خديجة تبادره: والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَل، وتكَسب المعدوم، وتَقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وتنطلق إلى ورقة بن نوفل ابن عمها، وتقول له: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فيقول له ورقة: هذا الناموس الذي نزل على موسى ويبشره بأنه نبي هذه الأمة، وسيلقى تعبا ونصبا في سبيل دعوته.

هذه الصورة التي ترسمها الروايات، محمد (ص)، في سن الأربعين، الذي كان يتعبد لله حنيفا مخلصا، ويختلي لوحده، ينزل عليه الوحي، فيفزع ويخاف، ويرجف، ثم يتردد في قراءة ما طلب منه، لأنه أمي، ولا يستجيب إلا بعد أن يغطه الملك الثالثة. ثم يرجع لبيته خائفا مذعورا يطلب العون من زوجته المؤمنة خديجة، لتبادر لتهدئته، والتخفيف من روعه، بالذهاب إلى ابن عمها النصراني، ليبشره بأنه نبي هذه الأمة. وكان خوف النبي وجزعه من ألا يطيق أعباء المهمة الملقاة عليه، وأن يكون قاصرا عن تأدية المهمة التي كلفه الله بها.

والناظر المتأمل في هذه الروايات يمكن أن يطرح الأسئلة التالية:

1. أكان الوحي وأخبار الوحي غائبة عن فكر محمد (ص) وعن ذاكرته، قبل البعثة، وهو الذي كان يذكر الله ليل نهار ويتأمل في خلق الله، ويختلي في غار حراء عابدا لله؟ ولقد سمعنا بأن كثيرا من رجال جيله الذي عاصره والأجيال التي سبقته، يعرفون الله، ويوحدونه، ويذكرون الوحي، والبعث والنشور، ومن أبرز هؤلاء: أمية بن أبي الصلت، والأعشى ميمون بن قيس، وزهير بن أبي سلمى، ولبيد بن ربيعة، وعدي بن زيد، وعنترة بن شداد، وورقة بن نوفل وغيرهم. ويأتي ذكر صِرمة بن أبي أنس بن مالك بن عدي الخزرجي الذي كان من الأحناف، وغيره الذين عرفوا الله وعرفوا كثيرا من الديانات، وسمعوا عن الوحي. أيغيب ذلك عن النبي محمد (ص) الذي كان الوحي يجري بين يديه منذ طفولته؟
2. أكانت أم المؤمنين خديجة أكثر فهما ووعيا، وأكثر ثباتا وثقة من محمد (ص)، بل أكثر معرفة منه، بحيث أنها التي تبادر إلى رفع الروع عنه، وتهدئته، وتبشيره بأنه نبي الأمة؟ ألم يسر في وعي محمد (ص) وإدراكه، وعزمه، وإيمانه، طيلة السنوات الأربعين الماضية من عمره، أن له دورا عظيما؟ ألم يسمع النبي محمد (ص) بجبرائيل الذي كان ينزل على الأنبياء، وبقصص الأنبياء التي لم تكن غائبة عن ذاكرة التاريخ في مكة الحاضرة التي بناها جده إبراهيم أبو الأنبياء.
3. أكان ورقة بن نوفل النصراني أكثر إيمانا ويقينا من محمد (ص)، وأعرف بالأديان وبالله منه؟ بحيث يبادر إلى طمأنته، وتبشيره بأنه هو نبي هذه الأمة؟

إن الصورة التي تبرزها هذه الروايات، أن محمدا (ص)، كان يتعبد لله حنيفا مسلما، لكنه لم يبلغ في ذلك درجة اليقين، ولا حتى الدرجة التي بلغها ورقة بن نوفل، وكأنه لم يسمع بالوحي، ولم يمر عليه اسم جبرئيل، وكان قليل المعرفة بالأنبياء والرسل السابقين وما أنزل الله عليهم، وبمعنى أوضح، أنه لم يكن على سابقة علم ومعرفة بالوحي الذي ينزل على الأنبياء، وأنه كان يجهل حقيقة نفسه التي هيأها الله ليكون رسولا نبيا.

وتذهب الروايات إلى حد أن النبي محمدا (ص)، حزن حزنا شديدا حين فتر عنه الوحي، وفكر أن يتردى من شواهق الجبال، لولا أن جبرئيل كان ينقذه من ذلك كلما هم بذلك، وذلك حينما فتر عنه الوحي.

وفرق بين الصورتين المرسومتين، الصورة الأولى التي رسمتها الآيات القرآنية، من رجل عظيم عارف بالله، مستغرق في عبادته، متأمل ومتفكر في الكون وما فيه، مستيقن من فساد عبادة الأوثان والأصنام، مستقيم في خلقه وفعله، لا يخشى في الله أحدا، شجاع صادق أمين، صاحب خلق عظيم، وبين الصورة التي رسمتها الروايات، خائف، متردد، جزع، يفكر في الانتحار ورمي نفسه من شاهق، يجهل حقيقة الوحي، ويطلب العون ممن حوله ليسترجع أمنه وراحته. فأي الصورتين يقبل الإنسان المسلم، الصورة التي رسمتها الآيات القرآنية، أو تلك التي رسمتها الروايات الحديثية التي رواها الناس عنه، ودونوها في كتب الأحاديث والتاريخ.

 

شارك برأيك: