هل ألقى الإمام الحسين بنفسه إلى التهلكة؟
من أكثر الإشكالات التي تُثار حول نهضة الإمام الحسين عليه السلام القول إنه كان يعلم بما ينتظره في كربلاء من قتل واستشهاد، ومع ذلك مضى في طريقه، فهل يكون بذلك قد ألقى بنفسه إلى التهلكة التي نهى الله عنها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؟
ويبدو هذا السؤال لأول وهلة منطقيًا، لكنه في الواقع ينطلق من فهمٍ قاصر لمعنى التهلكة في القرآن الكريم، ومن قراءة مبتورة للظروف التاريخية التي واجهها الإمام الحسين عليه السلام. فالمسألة ليست مسألة شخص واجه خطرا على حياته، بل مسألة إمام رأى الدين نفسه مهددا في جوهره، فاختار أن يتحمل مسؤولية المواجهة مهما كانت النتائج.
التهلكة في القرآن: الموت أم ضياع الرسالة؟
إن الفهم السطحي للآية يجعل التهلكة مرادفة للموت أو التعرض للخطر، بينما تكشف النصوص القرآنية وسيرة الأنبياء أن الأمر أعمق من ذلك بكثير.
فلو كان مجرد احتمال الموت هو التهلكة، لما جاز الجهاد في سبيل الله، ولما وقف موسى أمام فرعون، ولما واجه إبراهيم قومه، ولما تحمل رسول الله صلى الله عليه وآله ما تحمله من حصار واضطهاد وحروب.
إن التهلكة الحقيقية هي ترك الواجب عندما يصبح القيام به ضرورة لحفظ الدين والحق. ولذلك فإن الإنسان قد يحافظ على حياته الجسدية، لكنه يقع في التهلكة المعنوية والأخلاقية إذا تخلى عن مسؤوليته تجاه الحق والعدل.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا ضحى الحسين بنفسه؟ بل: ماذا كان سيحدث لو لم يفعل؟
بين حفظ النفس وحفظ الدين
لا شك أن الإسلام يولي النفس الإنسانية أهمية عظيمة ، لكن هذه الأهمية ليست مطلقة ومنفصلة عن بقية القيم.
فالشريعة جعلت حفظ الدين في مقدمة المقاصد الكبرى، ولهذا شرعت الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحمل المشاق في سبيل الله.
وعندما يقع التعارض بين بقاء الدين وبقاء الفرد، فإن الأنبياء والأوصياء يقدمون الرسالة على ذواتهم، لأنهم يحملون مسؤولية تتجاوز حدود المصالح الشخصية.
لقد وجد الإمام الحسين نفسه أمام لحظة تاريخية أصبح فيها السكوت مساهمة في تثبيت الانحراف الديني، وأصبح الرفض واجبا شرعيا وأخلاقيا. ولذلك لم يكن خياره بين الحياة والموت، بل بين حفظ الدين أو تركه الدين يواجه خطر التشويه والانحراف.
يزيد بن معاوية: لماذا كان الخطر استثنائيا؟
لفهم موقف الإمام الحسين لا بد من فهم طبيعة المرحلة التي عاشها.
فالقضية لم تكن مجرد خلاف على الخلافة، كما يحاول بعضهم تصويرها، وإنما كانت تتعلق بطبيعة الشخصية التي أُريد لها أن تتولى قيادة الأمة الإسلامية باسم الخلافة.
لقد كان الإمام الحسين يدرك أن يزيد بن معاوية لا يمثل مجرد خليفة يمكن الصبر على انحرافه، بل يمثل تحولا خطيرا في طبيعة الخلافة نفسها. فبينما كان الخلفاء ـ على الأقل ـ يحاولون المحافظة على المظهر الديني العام وإظهار الالتزام بقيم الإسلام أمام الناس، كان يزيد معروفا بالتجاهر باللهو والفسق والمجون. والاستخفاف بالضوابط التي كان المجتمع الإسلامي يعدها من مسلمات الدين.
وهنا تكمن خطورة الأمر؛ لأن المشكلة لم تعد في وجود الانحراف، بل في محاولة تقديم الانحراف نفسه بوصفه النموذج الشرعي للحكم الإسلامي.
لقد كان الإمام الحسين يدرك أن أخطر ما يمكن أن يصيب الأمة ليس وجود الفاسق، بل أن يصبح الفاسق معيارا للشرعية، وأن تتحول الخلافة من موقع لحفظ الدين إلى أداة لإعادة تشكيل وعي الأمة على أساس يبرر الانحراف ويمنحه الغطاء الديني.
“مثلي لا يبايع مثله”: صراع مشروعين لا شخصين
في هذا السياق التاريخي تكتسب كلمة الإمام الحسين الشهيرة معناها الحقيقي: “مثلي لا يبايع مثله”.
فالإمام لم يقل: لا أبايع يزيد، وإنما قال: “مثلي لا يبايع مثله”.
إنها دلالة تتجاوز الأشخاص إلى المبادئ.
فـ”مثلي” تمثل خط الرسالة والقيم والالتزام بالإسلام المحمدي الأصيل، و”مثله” تمثل نموذج الخلافة الذي يفقد شروط القدوة الدينية والأخلاقية.
ولهذا فإن العبارة ليست إعلانا عن موقف شخصي، بل إعلان عن استحالة التوفيق بين مشروعين متناقضين: مشروع يريد للإسلام أن يبقى مرجعية للأمة، ومشروع يريد استخدام الإسلام غطاءً للانحراف.
لقد كان الحسين يعلم أن بيعته ليزيد لن تُفهم بوصفها تنازلا عن الخلافة فحسب، بل ستُفهم بوصفها شهادة واعترافا منه بصلاحية هذا النموذج للخلافة، ولذلك رفض أن يمنح شرعية دينية لمسار كان يراه خطرا على مستقبل الأمة.
العلم بالشهادة لا يعني طلب الهلاك
ومن الأخطاء الشائعة الخلط بين العلم بالشهادة وطلب الموت.
فالإمام الحسين لم يخرج إلى كربلاء باحثا عن الموت من أجل الموت، ولم يكن مشروعه مشروع انتحار أو فناء ذاتي.
لقد خرج استجابة للتكليف الشرعي، وسعى إلى الإصلاح، وخاطب الأمة، وأقام الحجة على خصومه، وحاول تجنب القتال ما أمكن.
لكن حين أصر الطرف الآخر على أن يكون الخيار بين الخضوع للباطل أو التضحية، اختار الطريق الذي ينسجم مع رسالته ومسؤوليته.
إن الفرق كبير بين من يطلب الهلاك بلا غاية، وبين من يتحمل خطر الموت دفاعا عن قضية عادلة.
وتجدر الإشارة إلى ثمة أمر مهم هنا وهو: أن التضحية والموت وتحمل الأسى إذا كان خاسرا ولا تتحقق النتائج منه ويجر الويلات على الأمة، فهو في غير محله،وأما إذا كان سيحقق العزة للإسلام ويبقى، فالتضحية لابد منها.
فالأول إلقاء للنفس في التهلكة، أما الثاني فهو تضحية واعية من أجل قيمة أعلى.
الحسين لم يواجه التهلكة… بل واجه تهلكة الأمة
ولعل أعمق قراءة لنهضة الحسين هي أن الإمام لم يخرج إلى التهلكة، بل خرج ليمنع التهلكة.
لقد رأى أن الأمة تتجه نحو مرحلة يصبح فيها الانحراف دينا رسميا، ويصبح الصمت مشاركة في صناعة هذا الواقع.
وكان يعلم أن صوته قد يُسكت، وأن جسده قد يُقتل، لكنه كان يعلم أيضا أن التضحية في مثل هذه اللحظات تصنع وعيا لا تستطيع السيوف القضاء عليه.
ولهذا كانت شهادته حدثا يتجاوز حدود المعركة.
لقد تحولت كربلاء إلى صدمة أخلاقية هزت ضمير الأمة، وكشفت حقيقة الصراع، وأعادت التمييز بين الإسلام بوصفه رسالة إلهية، وبين الخلافة التي حاولت احتكار الدين باسمها.
أخيرا:
إن الإمام الحسين عليه السلام لم يُلقِ بنفسه إلى التهلكة؛ لأن التهلكة ليست في التضحية من أجل الحق، وإنما في ترك الحق خوفا من التضحية.
لقد أدرك الإمام الحسين عليه السلام أن بيعة يزيد ليست مجرد موقف عابر، بل شرعنة لانحراف يهدد جوهر الإسلام. وأدرك أن صمته سيمنح هذا الانحراف غطاء دينيا قد يصعب في المراحل اللاحقة كشفه.
لذلك وقف موقفه التاريخي الخالد، لا حبا في الموت، بل حبا في بقاء الدين. ولم يختر الشهادة لأنها غاية، بل لأنها أصبحت الوسيلة الوحيدة لحماية الرسالة.
ومن هنا بقي الحسين حيا في وجدان الأمة؛ لأن دمه لم يكن تعبيرا عن الهزيمة، بل كان إعلانا أن الدين قد يحتاج أحيانا إلى من يحفظه بدمه عندما تعجز الكلمات عن ذلك. وهكذا لم تكن كربلاء قصة رجل ذهب إلى الموت، بل قصة إمام أنقذ الرسالة من أن تموت.
حسن كاظم
بوابة النويدرات البوابة الإعلامية لقرية النويدرات