الصَّلاة على محمَّد وآل محمَّد وقيمه التربوية الفعَّـالة في تحقيق الصحة النفسيَّة دراسَــــة مختصــرة في بعض أحَــــاديث الإمَـــــــام الرضا ( ع ) بقلم الأستاذ يوسف مدن

الصَّلاة على محمَّد وآل محمَّد

وقيمه التربوية الفعَّـالة في تحقيق الصحة النفسيَّة

دراسَــــة مختصــرة في بعض أحَــــاديث الإمَـــــــام الرضا ( ع ) 

                                        إعـــداد / يوسف مَــــــدن

مقدمة وتمهيد .

وردت في مجموعة أحاديث الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا ( ع ) إشارات عن بعض مشكلات السلوك لدى الإنسان مع ربه عز وجل ، وكذلك مع نفسه والآخر ، وذكرت نصوصه التربوية والارشادية حلولاً ومعالجات تعين الأفراد من المؤمنين بخاصة العلماء وأهل المعرفة والباحثين والنشطين من قراء هذا التراث ، وظلت هذه الإشارات على امتداد زمن طويل جزْءً من تراثه المعرفي التي يستعين بها جمع المؤمنين على دراسة بعض أقواله ، وتعددت محاولات هؤلاء في فهم تراثه المعرفي ودراسته وتطبيقه .

فمنهم من كتب بعض أبحاثه في دراسة روايات فكره التربوي عليه السلام ، وآخرون كتبوا في قيمه التربوية وأساليبه العملية في الوعظ وتنمية الوعي الإرشادي ، وبحث نفر آخـــرون في قيمه الأخلاقية المستخلصة من هذا الدعاء المبارك ، وتناولها علماء وباحثين من زوايا أخرىكدراسة الجانب اللغوي والأدبي .

ونحن هنا في هذه الدراسة القصيرة بمسائلها التي أثرناها نحاول الوقوف على دراسة محتوى بعض النصوص والأقوال والأحاديث الرضوية الشريفة ، وفهم مضامينها العقلية والمعرفية وقيمها الأخرى من زاوية نفسية سيكولوجية وتربوية ، ودراستها لاستخراج منظومة فكرية وسيكولوجية وأخلاقية لمحتوى المعرفة التي استبطنتها بعض رواياته وأحاديثه الكريمة .

ونأمل أن يتاح لأحد الباحثين وأكثر دراسة علامات الصحة النفسية التي يستبطنها التأدب بأدب الله وتكليفه الشرعي في تفعيل دعاء [ الصلاة على محمَّد وآل محمَّد ) والعمل بآدابه ، وتنظيمها في دراسة تربوية وسيكولوجية حديثة على مجموعة من الأفراد المؤمنين المنخرطين في ممارسة هذه العادة الإيمانية واستخلاص نتائجها من واقع الميدان العملي للجماعات الإيمانية .

***

بعض أحاديث البحث ونصوصه .

توجهت أحاديث النبي وآله الكرام صلوات الله عليهم نحو الاهتمام بهذا الموضوع ، وأعانوا كجزء من تكليفهم الشرعي المؤمنين جميعًا أينما كانوا ، وفي أزمنة متعاقبة على تربية أنفسهم على ممارسة العمل بهذا الدعاء ، وتأديب سلوكهم على قواعده الروحية وضوابطه الأخلاقية والاجتماعية ، ولاحظنا ثروة لفظية ومعرفية في تراث النبي وعترته وآله من الأئمة المعصومين الطاهرين في هذا الموضوع وفي غيره ، ومما قرأناه في بعض مصادر التراث التربوي الإسلامي :

أنَّه روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله : ( ما من دعاء إلاَّ وبينه وبين السماء حجاب .. ولا يرفع .. حتى يصلى على النبي محمَّد وعلى آل محمد ) .
وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلَّم : ( من عســــرت عليه حاجة ، فليكثر بالصلاة عليَّ ، فإنَّها تكشف الهموم والغموم ، وتكثر الأرزاق ، وتقضي الحوائج ) التي يتطلع لها عباد الله أينما يكونوا .
ورد عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب قوله عليه السلام : ( وبالصلاة تنالون الرحمة ، فأكثروا من الصلاة على نبيكم وآله ) .
قال الإمام الصادق عليه السلام : ( كل دعاء يُدعى الله عز وجل به محجوب عن السماء حتى يصلَّى على محمد وآل محمد ) .
وعنه قول حفيده أبو عبدالله جعفر الصادق : ( إذا ذكر النبي صلى الله عليه وآله .. فأكثروا الصلاة عليه ، فإنَّه من صلى على النبي صلاة واحدة ، صلى الله عليه ألف صلاة في ألف صف من الملائكة ) .
وفي أواخر الرواية السابقة نفسها يقول المقطع اللفظي ما نصه :

( ولا يرغب عن هذا إلاَّ جاهل مغرور ، قد برئ الله منه ورسوله ) .

وفي رواية الإمام موسى بن جعفر ( ع ) عن أبيه قال : ( من صلَّى على النَّيي صلوات الله عليه .. فمعنا على الميثاق والعهد الذي قبلت به حين قوله ( ألستُ بربكم ، قالوا بـــلى ) .
وقد جاء في بعض أقوال أبي الحسن الإمام علي بن موسى الرضا ( ع ) وأحاديثه المباركةما اخترناه في كتابة موضوع ، والمادة المعرفية بنحو قصير عن ( استخدامات دعاء الصلاة على محمد وآل محمد ومنافعها في مجال تحقيق الصحة النفسية ) ، وتنمية جوانب الشخصية العبادية للإنسان المؤمن وتنمية خبراته الإيمانية والسلوكية والقيمية .

ومما جاء في بعض أحاديث أبي الحسن الإمام علي بن موسى الرضا ما نصه :

[ أفضل الأعمال الصلاة على محمد وآل محمد ] .
وإنها كما قول للإمام الرضا عليه السلام [ تعدل التسبيح والتهليل والتكبير ] .
[ منْ لم يقدر على مَــا يُكفِّــر به ذنوبه ، فليكثر من الصلاة على محمد وآل محمد ، فإنها تهدم الذنوب هـــــدمًــا ] ، وأقوال أخرى .

***

معنى الدعاء .

ونعني به دعاء [ الصلاة على محمد وآله ] ، حيث جاء في بعض الدراسات المتأخرة ، وهو ما طابق جهود أصحاب دراسات سابقة أن [الصلاة في أصل اللغة تعني الدعاء ، فمعنى صلاة الله على نبيِّه ( ثناؤه عليه ، ورحمة ورضوان منه ، ومن الملائكة الدعاء والاستغفار ، ومن الأمَّة التعظيم لأمره ، فالصلاة على محمَّد وآل محمد أمر متفق عليه بين الفريقين في الذكر والفضل والأجـــر] ومضاعفته بتكرار أدائها وبنية القربى لله ، وكما نصَّت على ذلك روايات النبي والمعصومين من أهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين ، ولهذه الصلاة فضلها الرباني والإنساني، وآدابها وأخلاقياتها التي استحقها تكريم نبينا العظيم سيدنا ومولانا محمَّد بن عبدالله صلوات الله عليه وآله الطيبين الطاهرين ، ونواتجها التربوية والسيكولوجية لدى المؤمنين أينما ، وكما سنشير له في أواخر هذا المبحث القصير .  

***

مصادر ومجالات دراسة أحاديثه الشريفة .

أتاح الله لعباده الاطلاع على تراثه في عدد من مصادر المسلمين ، وسنتوقف في السطور اللاحقة بالتركيز على العلاقة بين شعار ونداء ودعاء ( الصلاة على محمد وآل محمد وقيم الصحة النفسية ) كما استوحينا ذلك من :

1- القرآن الكريم في بعض آياته المباركة .
2- أحاديث رسول الله والأئمة الراشدين من آلهالأطهار .
3- بعض أقوال ونصوص الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا ( ع ) ورواياته وأحاديثه الشريفة المتوزعة في عدد من مصادر المسلمين بخاصة محبيه .
4- من تجاربنا الخاصة في التفاعل مع شعار الصلاة على محمد وآل محمد أجمعين .
5- ومن مواقف الناس وتفاعلاتهم مع دعاء الصلاة على محمد وآل محمد صلوات الله عليهم جميعًا .

ويمكن دراسة هذا الموضوع التربوي – كما في أبحاث ومقالات وكتب بعض العلماء والباحثين – ستكون بإذنه تعالى ، وبحسب اختيار هؤلاء العلماء والباحثين وإرادتهم في مسارات متآزرة ، وفي أكثر من اتجاه فكري ، وفي مجالات عديدة للمعرفة الهادفة مثل المجالات التالية :

مجال روائي ( جمع نصوص تراثه الروائي ) .
مجال لغوي وأدبي .
مجال صحي .. وطبي .
مجال قيمي وأخلاقي .
مجال سيكولوجي : ، وهو مجال يفرض نفسه في عدد كبير من الروايات ، وفي اجتهادات بعض العلماء ومفسري أقوال أهل البيت ( ع ) وبعض الباحثين في تراثهم الروحي والمعرفي .

ويشمل إدراك ومعرفة بعض قضايا السلوك الإنساني كــ ( الرذائل والفضائل معًا ) وما ارتبط بها من انفعالات ودوافع وحالات وجدانية وغيرها ، وكذلك الحقائق النفسية والظواهر السلوكية ) التي ارتبطت بدعاء ( الصلاة على محمد وآل محمد ) ومتواه المعرفي والتربوي والقيمي ، وغيره من الأدعية الإسلامية .

***

دعاء الصلاة على محمد وآله وتحقيق الصحة النفسية .

إنَّ شعار ( الصلاة على محمد وآل محمَّد ) في جوهره الديني واجب تكليفي ، ودعاء رباني أكَّد عليه المشرع التربوي الإسلامي كواجب من واجبات التكليف الشرعي في عدد من مصادره ، وعرفناه في نصوصه الروائية وفي تطبيقات واستخدامات المربين ، وهو شعار استبطن في تركيبته اللفظية ، ومحتواه المعرفي بعض القيم المستفادة التي أبرزت جوهر قيمته الفاعلة في توجيه حركة الحياة الإنسانية ، وتولدت عنها بالضرورة بعض الحقائق التربوية والإرشادية والسيكولوجية والأخلاقية ، وجميعها يستوحيوجودها كحقائق من القيم الروحية والأخلاقية والتربوية لهذا الدعاء الربَّاني ، ويمكننا إجمال ما تعرفنا عليه في عدد من المسائل الفرعية .. كما يأتي :

1- أول هذه القيم التربوية المستوحاة من دعاء ( الصلاة على محمد وآل محمد ) أنها في الميزان الديني والتربوي فعل عبادي يؤكد على أخلاقيات وآداب العمل به في حياة الإنسان المؤمن ، فهذا الدعاء يؤسس كغيره على مباني وقواعد أساسية لضبط الإنسان وتربيته ، وينبغي للمؤمنين أن يتعلموا هذه الأخلاقيات وضبط أنفسهم على قيمهاوآدابها العبادية ، ومنها ما يأتي :
ا- عقد النية الداخلية الصادقة للعبد المؤمن ، وأن يسبقها في داخل النفس توجه قلبي كي يكون المشاركة فيه (( عملاً عباديًا )) .
ب- يرفع بصيغة صحيحة في استخدامات هذا الدعاء ( نطق ولغة سليمة ) .
ت- حين يُذكر اسم نبي ، ونسلم عليه .. نبدأ بالصلاة على نبينا محمد وآله .
ث- رفع الصوت عاليًا بالصلاة على محمد وآلهبصورة معتدلة بأدب الاحترام .
ج- تكرار الأداء ورفع الصوت بالصلاة على محمد وآله الكرام ( مرة ، وثلاث ، وعشر ) كما في بعض الروايات .
ح- وينبغي تأدبًا بأخلاقياته أن لا نصلي عليه صلاة بتراء كما جاء في نهيه صلى الله عليه وآله ، ويجب علينا أن لا نصلي ونسلم على النبي صلى الله عليه وآله فحسب ، ونمسك عن اكمالها بعدم الصلاة والسلام على آله ، بلا بد من اقتران الصلاة عليه بالصلاة على آله صلوات الله عليهم جميعًا في مختلف حالات صيغ التسليم والصلاة ، لقوله صلى الله عليه وآله : [ لا تصلُّوا عليَّ الصلاة البتراء ، فقالوا : وما الصلاة البتراء ؟ ، قال صلى الله عليه وآله : تقولون : (( اللهم صل محمد وتمسكون ، بل قولوا : (( اللهم صل على محمَّد وعلى آل محمد ] .

فالصيغة الصحيحة التامة والكاملة ، والمقبولة المتداولة في مصادر المسلمين هي من تجمع بين الصلاة عليه ، والصلاة على آله الكرام صلوات الله عليهم جميعًا ، لهذا قال أبو عبد الله الإمام جعفر بن محمد الصادق ( ع ) :

[ إنَّ الصلاة على محمد وآله من تمام الصلاة ، ولا صلاة له إذا ترك (( العبد )) الصَّــــــلاة على النبي صلى الله عليه وآله ] .  

2- والصلاة على محمَّد وآله هي بكل آدابالعمل بها وأخلاقياتها تكليف رباني أمرنا الله سبحانه بالقيام به في أكثر من سورة قرآنية ، وشددت عليها بعض رواياتوأحاديث النبي وآله المعصومين عليهم الصلاة والسلام ، وليس لنا سوى الاعتراف بهذا النداء والعمل به وتطبيقه في صلواتنا وأدعيتنا ، ومواقف حياتنا المختلفة ، لا من أجل كسب المثوبة الربانية وإنما لأجل ما استحقه النبي من تكريم وتحقيق لرضانا عن أنفسنا في محبته صَـــلوات الله عليه وآلهالكرام .
3- ودعاؤنا في الصلاة على محمد وآل محمَّد يستبطن مثل كل الأدعية حركتين :
حركة صاعدة من العبد تجاه ربه الرحيم تطلب الرحمة والشفقة والتوفيق في الأعمال وطلب الأمان في دنيا القصيرة ، وفي عالمنا الأخروي الذي لا فرار من العيش فيه ، ولا نعلم مصيرنا بدون رضاه وثقتنا فيه ورحمته .
ويقابل الحركة الصاعدة حركة ربانية نازلة وهابطة منه عز وجل ، وهي كما ندركها تمامًا (( حركة رشيدة )) ، وكلها خير ورحمة وشفقة وسداد وعطف على علينا وتسديد لأفعالنا ، واتقانها في الأداء وصدق النيَّة .
4- وإنَّها بهذا الارتكاز الروحي وبالتجربة الإيمانية النزيهة تستهدف التربية العبادية الإسلامية بناء شخصية الإنسان وعلاقاته بربه ونبيه وملائكته ، وآله الكرام ، وتأكيد دوره في تقوية علاقتنا بهم وترسيخ هويتنا العبادية ـ فهذا الدعاء كغيره هادف لتحقيق أمر عبادي ، وإسعاد الإنسان .
5- يستبطن نداء الصلاة على محمد وآله اقرارًا منَّا ، ومن أنفسنا بما يستحقه رسول الله وآلهمن تكريم من ربه الله وملائكته وعباده الكرام على متاعبه معنا في هدايتنا ، والوصول بنا لبر الأمان إن اعتصمنا بهدي ربنا ومنهاجه الشريف ( والاعتراف بالحق والاقرار بالجميل فضيلة ) ، وهو ما يحقق الشعور بالرضا فينا ، وإكرام نبينا محمد وآله بالقليل مما يستحقونهم من احترام ومحبة وتقدير وإكرام.
6- يتم باستخدام هذا الدعاء ، وفي مواضع عمل ونشاط متعددة ترسيخ ولائنا العقائدي والروحي الصادق لخالقنا الله سبحانه ونبيه وآله الكرام كقادة تاريخيين هم القدوة غير المسبوقة ، فهم أولياء أمرنا ، ولا نظير لهم بالأمس واليوم وغدًا .
7- وكما في تجاربنا التي نعيشها مع هذا الدعاء نرى أنه ( تجربة شعورية توحي بوحدتنا الاجتماعية والوجدانية والعقائدية ) ، وهي تجربة كما يعلمها الجميع تدخلنا في وحدة شعورية مشتركة موفقة إن شاء الله وبإذنه الكريم .
8- ونلحظ أيضًا تدريب النفس ( أفرادًا وجماعات ) في مواقف عديدة على أداء رباني وروحي وشعوري برفع الصوت عاليًا أو بنبرة معينة تطلب البركة والمحبة لنبينا محمد صلى الله عليه وآله ، ويكون الأداء جماعيًا في غالب الأحيان ، وبنية عبادية مشتركة مخلصة لله سبحانه إن شاء ربنا عز وجل .
9- ويستفاد مما ذكرناه أننا كأفراد وكجماعة واحدة ننظر لبعضنا جسدًا واحدًا ، ويرانا الآخر هكذا وحدة إيمانية متميزة ، ويتمثل ذلك في رفع الصوت عاليًا واضحًا بمفردات هذا الدعاء ، فيحرك في النفوس دافعيتها الإيمانية ، وتستعيد النفوس نشاطاتها بقوة وحيوية ، وهذا يساعدها على الاستمرار في أداء أعمال عبادية لله عز وجل ، ويراد بها نفع النفس الإنسانية ، والناس في مجتمعهمبوطنهم أينما خلقهم الله سبحانه في أرضه الواسعة .
10- ويتعلم المؤمنون وبأعمار مختلفة الارتباط بقيم هذا الشعار ، والتدرب على أدائه كعمل عبادي .. مثل أداء صلاة الجماعة – بسلوك عبادي موحد ، وهو فعل عبادي يحقق وحدة شعورية ومشاركة وجدانية للمؤمنين في أفراحهم وأحزانهم بمستويات عالية من القوة النفسية .
11- وفي تربيتنا العبادية للفرد المؤمنين ( ذكورًا وإناثًا ) يساعد نداء الصلاة على محمد وآلمحمَّد على تحقيق جانبين وهما :
ا- تكوين عناصر إنمائية ( وقائية ) من أجلحماية شخصية الإنسان المؤمن ( تزويد الإنسان بالفضائل التي تمده بقوة العمل العبادي وحركته .. مثل التخلق بأخلاق الله وملائكته ونبيه وآله .
ب- محو الذنوب أو التخفيف منها ومعالجة بعض المشكلات السلوكية مثل رفع النفاق والرياء ، وتخليص النفس من الجهل وضعف العلاقة الإيمانية وغيرها .
12- وبتأمل عقل الإنسان المؤمن في مخزون هذا الدعاء وتراثه المعرفي بغرض اكتشاف طرق المعالجة وآلياتها لبعض المشكلات كمعالجة بعض المشكلات كالذنوب ، والنفاق ، والعجز الذاتي في مواجهة الذنوب وقهر هيمنتها على نفس الإنسان ، واستخدامه في حل بعض مشكلاتنا اليومية مثل القلق والشعور بالتوتر والضيق والخوف الزائد عن حده .
13- تركز أحاديث الإمام الرضا ( ع ) على جعل لدعاء الصلاة على محمد وآله فعالاً في تعديل السلوك الخاطئ ، ويبرز تأثيراته الإيجابية في إعادة التعلم لقيم السلوك الجديد، ويمكن للشخص المؤمن أن يتدبر أمر هذا الدعاء ويعتمده كأحد آلياته في إعادة تربية أنفسنا وتدريبها على الاستقامة والعودة للرشد الرباني .
14- يستفاد من الدعاء الرباني (( الصلاة على محمد وآله )) وفضل هذا النداء الرباني استفراغ المؤمنين لهمومهم ، ودفع بعض ضغوطات الدنيا وتخفيفها والشعور بالراحة النفسية ، ومعالجتها بدعاء الصلاة على محمد وآله ) كدفع النفاق عن النفس ، وتحقيق راحة البال بالاستغفار عند العبد الذي صلى على النبي ، وهذا القرب ، وصدق الاتصال بالله ونبيه .
15- يعين شعار الصلاة على محمد وآل محمد في تهدئة النفس من آلامها التي تثقل عليها في حركة الأفراد ، وتقليل متاعبها كما في بعض مواقف ( الصدام مع الناس ) بخاصة في مواقف الانفعالات الشديدة .
16- السيطرة على النفس لحظات الانفعالات الشديدة بخاصة الخوف المتجمد ، والغضب الفالت ، وإعادة النفس إلى محيط هدوئها الإيماني الطبيعي ، وهو مما يحقق للنفس واقعًـا أفضل ، وقدرًا أكثر نضجًا من الصحة النفسية ، فهذا الدعاء يزيد من امكانيات احتمال الشدائد ومواجهتها بدفع مخاطر عن النفس بخاصة وأنه يعيش مع المؤمنين وسائر الناس بوحدة شعورية مشتركة في أفراحهم وأحزانهم ومواقف التفاعل الاجتماعي .
17- يمكننا الله باستعمال هذا الدعاء واستحضاره من مواجهة جادة وهادفة وشجاعة للشيطان وأحابيله ومحق مؤامرته ونزعاته الفاسدة وإضعاف سيطرته علينا ، والتحرر من سيطرته المؤلمة في تخدير أنفسنا ، وتزوير وعينا ، وبذلك نحمي أنفسنا من مشكلات الشيطان ومكائده التي تحبط أعمـــالنا .
18- يحقق العمل بهذا النداء ، ومحتواهالتكليفي الربَّاني مثوبة ربانية تريحالإنسان في دنياه ، وتنقذه في عالم آخرته ، بل وحصوله على الصلوات الإلهية (( مضاعفة )) ، وبزيادة صلوات الله سبحانه على عبده ، وبمحو بعض سيئاته ، جاء في مقطع من نص روائي : ( من صلى عليك صلاة صليت بها عليه عشر صلوات ، ومحوت عنه عشر سيئات ، وكتبت له عشر حسنات ) ، وفي نصوص روائية أخرى أكثر عددًا ومضاعفة في الأجر والمثوبة .

***

النواتج السيكولوجية للصلاة على محمد وآلهالكرام .

والنواتج في حياة المؤمنين بمختلف أصنافهم منطقية ، وتتسم بخيراتها وبركاتها ، وتبدو في علامات تغمر نفوس المؤمنين ، ولا يمكن أن تتخلف عن البروز في حياة الأفراد ، بل وجماعاتهم العديدة ، وظهور آثارها في مواقف تفاعلاتهم الاجتماعية .

وتبدو مجموعة الآثار السيكولوجية كعلامات واضحة تدل نضج الأفراد المصلين عليه وآله ، وعلى تحقق قدر مقبول من الصحة النفسية والاجتماعية والعقلية والوجدانية لمجموعات المؤمنين في عصور مختلفة وأماكن عديدة ، وتبدو كنتاج لتأثير العمل بدعاء الصلاة على محمد وآل محمد ، والتفاعل معه في مواقف اجتماعية وفردية متفاوتة ، إذ يتحسس العاملون بهذا النداء الرباني الروحي علامات النضج والمشاعر النفسية السليمة التي تنتشر في أجواء إيجابية داخل نفوسهم ، وفي معاملاتهم الاجتماعية مع الآخرين ، ويمكن الإشارة لبعضها ، وكما ذكرناها في ثنايا هذا المبحث ومعالجتنا السريعة لموضوع بحثنا .

وخلاصة الأمر في نهاية ما كتبناه عن علامات الصحة النفسية الناتجة عن ضبط النفس العابدة لله سبحانه بدعــاء الصلاة محمد وآله والمتمسكة به أنَّ أخلاقيات العاملين بهذا الدعاء ، والمتمسكين بآداب الصلاة على محمد وآل محمد يتحسسون ، بل ويعيشون مشاعر إيجابية ، وآثاره الوجدانية والنفسية في حياتهم الخاصة والاجتماعية كإشباع حاجاتهم الروحية مثل أدا واجباتهم الدينية تجاه ربهم ، والإحساس بالثقة بالله سبحانه ، والأمن في دنياهم وآخرتهم رغم متاعب الضغوطات عليهم من سفلة أهل الدنيا وأشرار الأرض .

وأيضًا يغمر نفوسهم إحساسهم بالطمأنينة وثقتهم بربهم ورحمته وشفقته الرؤوم ، ويكونوا قادرين على بث ما في نفوسهم وتفريج همومهم ، وفسحة المشاركة الوجدانية لأنفسهم في الأفراد والأحزان معًا ، والاستئناس بالوحدة الشعورية في داخل أنفسهم ، وفي علاقاتهم مع الجماعة التي ينتمون لها .

ويجد هؤلاء الأفراد مجالاً لحل مشاعر التوتر الانفعالي والتأزم الداخلي مع شهوات الفرد ، وتمكين أنفسهم بالسيطرة على عدد من الانفعالات الشديدة ، وتهدئة نفوسهم وإضعاف استجابات الإثارة الفالتة ، وغير المنضبطة بمعايير المشرع التربوي الإسلامي ومحدداته الإيمانية ، كما تجد النفس وهو تتفاعل مع دعاء الصلاة على محمد وآله مجالاً لتجديد العهد والميثاق مع الله ونبيه وآله ، وتنشيط دافعيتها الإيمانية ، وهو أمر يفتح المجال لتقوية ما يسميه بعض علماء النفس المعاصرين بـــ ( وصيد الاحباط ) ، وتقوية إرادة النفس الإيمانية في مقاومة الشدائد ، وتفعيل امكانيات الذات المؤمنة على مواقف الابتلاءات والصبر واحتمال مواقف الأذى التي تعترض حياتهم بيقين وثبات ، والتمكن من غلبتها والسيطرة عليها بآليات إيمانية منها الصبر والدعاء لمحمد وآله بالصلاة عليهم ، وهو ما يحقق للأفراد المؤمنين بأعمار مختلفة في تاريخهم .

كل هذا يتحرك في مسارات واحدة ، وتصب جماع خيوطها مع بعضها في تسيج وحدة روحية ونفسية وفكرية تحقق في حركة واقعهم اليومي قدرًا من التوازن والصحة النفسية ، وتصنع واقعًا لعالمهم في كيانات الأفراد المؤمنين الذين يعيشون في مواقف حياتهم بعد تجاربهم مع شعار الصلاة على محمد وآله [ قدرًا طبيعيًا من الصحَّة النفسية ] في عالمهم الدنيوي القصير ، بل ويجدون مثله في أملهم مع فضل الله سبحانه ، وأفضل منه حالاً عند وقوفهم إن شاء ربهم في عرصة اليوم الآخر ، وهذا أملهم وغاية مناهم في يوم عظيم لا فـــرار منه ، ولا ينجو منه إلاَّ من أتى الله بقلب سليم .

شارك برأيك: