أصالة مصطلح المأتم ودلالته اللغوية والوجدانية بقلم حسن كاظم

أصالة مصطلح المأتم ودلالته اللغوية والوجدانية

تمثل المصطلحات المرتبطة بالشعائر الحسينية جزءا من الهوية الثقافية والدينية لكل المجتمعات، إذ لا تعد مجرد ألفاظ للدلالة على أماكن أو مناسبات، بل تحمل في طياتها دلالات لغوية وتاريخية وروحية تعكس مسيرة طويلة من التفاعل مع قضية الإمام الحسين عليه السلام.
ومن أكثر هذه المصطلحات تداولا مصطلح (المأتم) ومصطلح (الحسينية). وفي كثير من البلدان الإسلامية يشيع استعمال مصطلح الحسينية للدلالة على المكان الذي تُقام فيه المجالس الحسينية، بينما حافظت بلدان أخرى، ولا سيما البحرين وبعض المنطقة الشرقية في السعودية، على استعمال مصطلح المأتم، حتى أصبح جزءا من هويتها الثقافية والاجتماعية.
وعند دراسة هذين المصطلحين من خلال اللغة العربية، والروايات، والأدب، والتراث العلمي، يتبين أن لفظ المأتم أقدم وأرسخ في الاستعمال العربي، في حين أن الحسينية مصطلح ظهر متأخرا نشأ للدلالة على مكان مخصوص لإحياء الشعائر الحسينية، ولا تعارض بينهما، وإنما لكل منهما دلالته وسياقه التاريخي.

أولا: المأتم في اللغة العربية:
دلت المعاجم العربية على أصالة كلمة المأتم في اللغة.
قال ابن منظور في لسان العرب:
“المأتم: كلّ مجتمعٍ من رجالٍ أو نساءٍ في حزنٍ أو فرخ”
وقال الزبيدي في تاج العروس إن العرب كانت تطلق المأتم على الاجتماع في الحزن والسرور جميعا، ثم شاع استعماله في المصيبة حتى صار هو المعنى المتبادر عند الإطلاق.
وجاء في القاموس المحيط والصحاح وغيرهما من المعاجم ما يؤكد أن المأتم هو اجتماع الناس في الحزن والفرح، ثم خصه الاستعمال العربي بالعزاء.
ومن هنا يتبين أن كلمة المأتم هي كلمة عربية فصيحة ثابتة في أمهات المعاجم، واستعمالها في مجالس العزاء امتداد طبيعي لتطور دلالتها اللغوية.
ثانيا: المأتم في الروايات:
تزداد أصالة هذا المصطلح بظهوره في بعض الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام.
فقد روى الشيخ الكليني في الكافي عن الإمام محمد الباقر عليه السلام: “أوصى أبو جعفر عليه السلام بثمانمئة درهم لمأتمه”
والتأمل في الرواية أن الضمير في كلمة (لمأتمه) عائد إلى الإمام الباقر عليه السلام. وهذا دليل على أصالة المصطلح
كما ورد في عدد من الروايات:
“يصنع لأهل الميت مأتم ثلاثة أيام من يوم مات”
وهذه النصوص تدل بوضوح على أن كلمة المأتم كانت متداولة في عصر الأئمة عليهم السلام، ومستعملة للدلالة على اجتماع الناس للعزاء، بما يرتبط به من أحكام وآداب.
ثالثا: ارتباط دلالة المأتم اللغوية بإظهار الحب والولاء لأهل البيت عليهم السلام:
إذا كان أصل كلمة المأتم في اللغة يدل على اجتماع الناس في الحزن والفرح، فإن هذا المعنى اكتسب في مدرسة أهل البيت عليهم السلام بعدا إيمانيا ووجدانيا عميقا في الارتباط بأهل البيت وإظهار الحب والولاء.
فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال:
“شيعتنا خُلقوا من فاضل طينتنا، يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا”
فهذا الحديث يكشف أن ممارسة الشعائر في مظاهر الفرح بمواليد الأئمة وغيرها من أفراحهم، وممارسة الشعائر في مظاهر الحزن على مصائب أهل البيت عليهم السلام, أصدق دلالة على عمق مصطلح المأتم وشموليته، فالمأتم هو للفرح والحزن عليهم.
فالدلالة اللغوية لكلمة مأتم تنسجم تماما مع مضمون الحديث. فاستعمال كلمة مأتم هو عمق رابطة الولاء والمحبة التي تجمع المؤمنين بأئمتهم من خلال تناغم وانسجام الدلالة اللغوية ومضمون الحديث.
ومن هنا أصبح المأتم في الوجدان الشيعي أكثر من مجرد مكان أو مجلس؛ فهو موطن تجديد العهد مع أهل البيت عليهم السلام، وإظهار الفرح والمواساة لهم، وترجمة عملية لمعنى قوله عليه السلام: “يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا”.
فالمأتم ليس اجتماعا بقدر الفرح والحزن لذاتهما، وإنما اجتماع على القيم التي استشهد من أجلها الإمام الحسين عليه السلام، وعلى إحياء ذكره وإحياء أمر أهل البيت عليهم السلام.
رابعا: المأتم في تراث علماء الإمامية:
ومن أبرز الشواهد على رسوخ هذا المصطلح أن بعض كبار علماء الإمامية جعلوا كلمة المأتم عنوانا لمؤلفاتهم، مما يدل على أنها كانت مصطلحا علميا متداولا، لا مجرد لفظ شعبي.
ومن أمثلة تلك المؤلفات:
إقناع اللائم على إقامة المآتم للسيد محسن الأمين.
المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة للسيد عبد الحسين شرف الدين.
أنوار الولاء في مآتم السيدة الزهراء للسيد أحمد الحكيم.
وقد أفرد صاحب البحار بابا في الجزء الرابع والأربعين بعنوان”باب ثواب البكاء على مصيبته، ومصائب سائر الأئمة عليهم السلام، وفيه أدب المأتم يوم عاشوراء” ونلاحظ أن المجلسي صاحب البحار قال “أدب المأتم يوم عاشوراء” حيث خص المأتم بيوم عاشوراء.
وبهذا فإن هؤلاء العلماء في اختيارهم عنوان الكتاب، يعكس دقة المؤلف في انتقاء المصطلحات، فلو لم تكن كلمة المأتم عربية أصيلة ومستقرة في الوجدان العلمي، لما اختارها هؤلاء الأعلام عنوانا لمؤلفاتهم.
خامسا: المأتم في الشعر العربي والحسيني:
ولم تقتصر أصالة كلمة المأتم على المعاجم والروايات، بل امتدت إلى الأدب العربي.
فقد قال أمير الشعراء أحمد شوقي في رثاء الإمام الحسين عليه السلام:
لك في الأرض والسماء مآتمُ
قام فيها أبو الملائك هاشمُ
كما قال الشريف الرضي:
كانت مآتمُ بالعراق تعدها
أموية بالشام من أعيادها
وتكشف هذه الشواهد عن حضور كلمة المآتم في بعض النصوص الشعرية، حتى أصبحت من أكثر الألفاظ التصاقا بالأدب الحسيني.
سادسا: دلالة المأتم في الهوية الثقافية:
إن المحافظة على استعمال مصطلح المأتم في بعض المجتمعات الشيعية ليست مجرد تمسك بعادة اجتماعية، وإنما هي محافظة على مصطلح يجمع بين أربعة أبعاد:
1. البعد اللغوي؛ لأنه لفظ عربي أصيل.
2. البعد الروائي؛ لوروده في أحاديث أهل البيت عليهم السلام.
3. البعد الوجداني؛ لأنه يجسد معنى الحزن لحزنهم والفرح لفرحهم.
4. البعد العلمي والتاريخي؛ لاستعماله في كتب العلماء وفي التراث الأدبي والفقهي.
ولهذا بقي هذا المصطلح حاضرا من الغابر، محافظا على أصالته ودلالته.
أخيرا”:
بعد استعراض الشواهد اللغوية والروائية والأدبية والعلمية، يتضح أن لفظ المأتم يمتلك رصيدا عريقا في التراث العربي والإسلامي. فهو كلمة عربية أصيلة، أثبتتها المعاجم، واستعملتها الروايات، وخلدها الشعر العربي، واعتمدها كبار علماء الإمامية في مؤلفاتهم، كما اكتسبت في الوجدان الشيعي بعدا إيمانيا مستمدا من ارتباط المؤمنين بأهل البيت عليهم السلام، مصداقا لقول الإمام الصادق عليه السلام: “يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا”
أما الحسينية فهي تسمية مباركة اكتسبت مكانتها من انتسابها إلى الإمام الحسين عليه السلام، وأصبحت عنوانا للمكان الذي تقام فيه الشعائر الحسينية، ولا تعارض بينها وبين تسمية المأتم، إلا أن الأخير يمتاز بامتداده اللغوي والتاريخي والروائي والعلمي، مما يجعله أحد أكثر المصطلحات أصالة وتعبيرا عن ثقافة الولاء لأهل البيت عليهم السلام
ومن هنا، فإن استعمال كلمة المأتم ليس مجرد اختيار اصطلاحي أو عرف محلي، بل هو امتداد لتراث لغوي وعلمي وروحي متجذر، يجسد اجتماع المؤمنين على أفراح ومواساة أهل البيت عليهم السلام، وإحياء أمرهم، وحفظ رسالتهم عبر الأجيال.

حسن كاظم

شارك برأيك: