الإمام السجاد عليه السلام وموقعة الحٓرّة: الحكمة في زمن الفتنة بقم حسن كاظم

الإمام السجاد عليه السلام وموقعة الحٓرّة: الحكمة في زمن الفتنة
تُعد موقعة الحٓرّة من أعظم المآسي التي شهدها التاريخ الإسلامي بعد واقعة كربلاء، فهذه الموقعة قد كشفت مرة أخرى عن طبيعة الحكم الأموي في عهد يزيد بن معاوية، وعن استعداده لاستخدام أقصى درجات العنف لإخضاع الأمة. وقد وقعت هذه الحادثة في عام 63هـ، أي بعد نحو عامين من استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، في الوقت الذي كان الإمام علي بن الحسين السجاد عليه السلام يتولى قيادة الأمة علميا وروحيا في ظروف بالغة التعقيد.
وتثير هذه الواقعة سؤالا مهما: ما موقف الإمام السجاد عليه السلام منها؟ وهل كان موقفه موقف المتفرج، أم أنه مارس دوره بما تقتضيه الحكمة والإمامة؟
إن المصادر التاريخية ترسم صورة دقيقة لموقف الإمام، وهو موقف يجمع بين رفض الظلم، وحفظ الدماء، ورعاية المجتمع، دون الدخول في مواجهة مسلحة لم تكن تحقق مصلحة الإسلام في تلك المرحلة. وأؤكد على (لم تكن تحقق مصلحة الإسلام في تلك المرحلة).
خلفية موقعة الحرة:
بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، ازداد السخط والغضب على حكم يزيد، ولاسيما في المدينة المنورة. وتشير المصادر التاريخية أنه قد ذهب وفد من أهل المدينة إلى دمشق، فلما عاد وصف ما شاهده من حياة يزيد في الترف والمجون، اشتد استنكار الناس، وانتهى الأمر بإخراج والي يزيد وبني أمية من المدينة وإعلان التمرد.
عندئذ أرسل يزيد جيشا بقيادة مسلم بن عقبة، وأمره بإخضاع المدينة بالقوة، فوقعت المعركة في منطقة الحٓرّة شرقي المدينة، وانتهت بدخول الجيش إليها ووقوع أعمال قتل وانتهاكات واسعة، حتى عدها المؤرخون من أفجع الحوادث في تاريخ المدينة المنورة.
لماذا لم يشارك الإمام السجاد في القتال؟:
قد يتساءل البعض عن سبب عدم مشاركة الإمام السجاد عليه السلام في القتال مع أهل المدينة.
إن القراءة الدقيقة للظروف التاريخية تبين أن الحركة التي قادها أهل المدينة لم تكن بقيادة الإمام، ولم تُبنَ على مشروع إصلاحي واضح المعالم، بل كانت رد فعل سياسي واجتماعي على ممارسات الحكم الأموي. كما أن الإمام كان يدرك، من خلال خبرته القريبة بأحداث كربلاء، موازين القوى، وأن المواجهة المسلحة في تلك الظروف ستنتهي إلى كارثة جديدة من غير أن تحقق أهدافا إصلاحية.
لذلك لم يتصدر الإمام قيادة هذه الحركة، ولم يُنقل عنه أنه دعا إليها أو حث الناس عليها، وهو موقف ينسجم مع مسؤوليته الدينية (التكليف الإلهي) في حفظ خط الإمامة وبقاء المرجعية الإلهية للأمة.
حياد عن الصراع، لا حياد عن المبدأ
إن عدم مشاركة الإمام في القتال لا يعني قبوله بحكم يزيد أو رضاه بما جرى؛ فموقفه من يزيد قد حُسم منذ كربلاء، إذ كان الإمام شاهدا على استشهاد أبيه وأهل بيته، وخطب في الكوفة والشام كاشفا ظلم السلطة الأموية.
لكن الإمام ميز بين ثبات المبدأ وبين اختيار الوسيلة المناسبة. فقد يرفض الإنسان الظلم رفضا قاطعا، وفي الوقت نفسه يرى أن وسيلة معينة لا تحقق الغاية المرجوة.
وهذا من أبرز معالم القيادة الحكيمة التي توازن بين المبادئ والنتائج.
حماية الناس أثناء الفتنة:
من أبرز المواقف التي تذكرها المصادر التاريخية أن الإمام السجاد عليه السلام لم ينشغل بنفسه أثناء أحداث الحرة، بل سعى إلى حماية من استطاع حمايتهم.
وقد نقل عدد من المؤرخين أن الإمام آوى في داره عددا كبيرا من النساء والأطفال، ولاسيما من أسرة مروان بن الحكم، مع أن مروان كان من أبرز خصوم أهل البيت عليهم السلام.
وهذا الموقف يكشف عن خلق أهل البيت، فقد كان الإمام ينظر إلى حرمة الإنسان، ولا يجعل الخصومة السياسية مبررا للانتقام من النساء والأطفال أو تركهم لمصيرهم.
إنها صورة عملية لقوله تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾.
احترام قائد جيش يزيد الإمام:
وتذكر المصادر أن قائد الجيش الأموي، مسلم بن عقبة، أوصى جنوده بعدم التعرض للإمام السجاد عليه السلام، وأظهر له قدرا من الاحترام عند لقائه.
ولا يدل ذلك على رضا السلطة عن الإمام، وإنما يعكس مكانته الدينية والاجتماعية الرفيعة في المدينة، وما كان يتمتع به من هيبة بين الناس، حتى إن السلطة كانت تدرك أن التعرض له قد يزيد من غضب المسلمين.
كما أن الإمام لم يستثمر هذا الأمر لمصلحة شخصية، وإنما جعله وسيلة للاستمرار في أداء رسالته العلمية والتربوية بعد انتهاء الفتنة.
الإمام السجاد بين كربلاء والحرة:
إذا قارنا موقف الإمام الحسين في كربلاء بموقف الإمام السجاد في الحرة، فقد يظن بعضهم وجود اختلاف في المنهج، بينما الحقيقة أن الاختلاف كان في الظروف، لا في المبادئ.
فالإمام الحسين كان الإمام القائم بالموقف الذي اقتضى إعلان الرفض ولو أدى إلى الشهادة، أما الإمام السجاد فكان الإمام المسؤول عن حفظ الامتداد الرسالي بعد تلك التضحية العظيمة.
ولو قُتل الإمام السجاد في الحرة لانقطع الامتداد الظاهر للإمامة في ذلك الوقت، ولخسرت الأمة المصدر الذي حفظ تراث كربلاء، وربى الأجيال من خلال الصحيفة السجادية ورسالة الحقوق ومدرسته العلمية.
ومن هنا كان بقاؤه ضرورة لحفظ المشروع، لا تراجعا عن مبادئه.
ما يستفاد من موقف الإمام السجاد عليه السلام:
إن موقف الإمام السجاد عليه السلام في موقعة الحرة يقدم مجموعة من الدروس المهمة، منها:
– أن رفض الظلم لا يعني الاندفاع إلى كل مواجهة مسلحة دون دراسة نتائجها.
– أن القيادة الشرعية تنظر إلى المصلحة العامة للأمة، لا إلى ردود الأفعال الآنية.
– أن حماية الأبرياء قيمة إسلامية لا تسقط حتى في أوقات الحروب والفتن.
– أن الحكمة قد تكون في بناء الإنسان وحفظ الرسالة، كما تكون في التضحية عند الحاجة.
– أن وحدة المشروع الإمامي لا تعني وحدة الوسائل، بل ثبات الأهداف مع تنوع الأساليب بحسب الزمان والظروف.
تكشف موقعة الحرة عن جانب مهم من شخصية الإمام السجاد عليه السلام؛ فهو لم يكن قائدا سياسيا بالمعنى الضيق، ولا ناسكا معتزلا لشؤون الأمة، بل كان إماما ربانيا يزن الأمور بميزان الحكمة، ويختار لكل مرحلة ما يحقق مصلحة الإسلام.
وقد أثبتت الأيام صحة هذا النهج؛ إذ بقي الإمام بعد الحرة ليقود أعظم مشروع تربوي وروحي في تاريخ الإسلام، ويترك للأمة الصحيفة السجادية ورسالة الحقوق، ويهيئ الأرضية العلمية التي ازدهرت في عهد الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام. وهكذا كان موقفه من الحرة امتدادا لمسؤوليته في استكمال نهضة الإمام الحسين عليه السلام، والمحافظة على رسالتها، لا خروجا عنها.

حسن كاظم

شارك برأيك: