تعقيبا على مقال (موقف الإمام السجاد عليه السلام من موقعة الحرة بقلم حسن كاظم

تعقيبا على مقال (موقف الإمام السجاد عليه السلام من موقعة الحرة

بعد نشر مقال (موقف الإمام السجاد عليه السلام من موقعة الحرة) وردتني أسئلة تعقيبا على المقال من أخ عزيز وصديق غال والأسئلة هي: ما موقف الإمام من وفد أهل المدينة الذي عاد من الشام، ومن قيام أهل المدينة على والي يزيد؟ وكيف يمكن تفسير عدم مشاركة الإمام السجاد عليه السلام في وقعة الحرّة، مع كثرة عدد أهل المدينة وعدتهم، في حين خرج الإمام الحسين عليه السلام على يزيد مع قلة أنصاره؟
وهذان السؤالان مترابطان، ولا يمكن الإجابة عنهما إلا من خلال فهم طبيعة الإمامة، واختلاف الظروف التاريخية، وأهداف كل حركة.
ما موقف الإمام السجاد عليه السلام من وفد أهل المدينة وقيامهم على والي الدولة الأموية؟
كما ذكرت في المقال السابق أنه تشير المصادر التاريخية إلى أن أهل المدينة أوفدوا جماعة من وجوههم إلى دمشق للقاء يزيد بن معاوية، فلما عادوا وصفوا ما رأوا من فسقه واستخفافه بالدين، وأعلنوا خلعه، وأخرجوا والي الدولة الأموية من المدينة، ثم أعلنوا المواجهة التي انتهت بوقعة الحرة.
ولا يوجد في المصادر المعتبرة ما يدل على أن الإمام السجاد عليه السلام عارض أهل المدينة في رفضهم يزيد، أو دافع عن السلطة الأموية، بل إن موقفه من يزيد كان قد أُعلنه منذ كربلاء، وقد عاش بقية عمره شاهدا على جريمة قتل الإمام الحسين عليه السلام، وكاشفا انحراف الحكم الأموي بخطبه وأدعيته وتعليمه.
لكن في المقابل، لا نجد أيضا أن الإمام عليه السلام انضم إلى قيادة المعارضة أو شارك في القتال، لأن حركة أهل المدينة لم تكن حركة يقودها الإمام المعصوم، ولم يكن هدفها إقامة الإمامة الشرعية لأهل البيت عليهم السلام، وإنما كانت حركة سياسية على ظلم يزيد وواليه.
ومن هنا كان موقف الإمام موقفا مستقلا؛ فهو لم يكن مع يزيد، لكنه لم يرَ أن هذه الحركة تمثل المشروع الذي كُلِّف بقيادته.
كيف يمكن مقاربة كثرة عدد أهل المدينة مع عدم قيام الإمام السجاد، وقلة أنصار الإمام الحسين مع قيامه؟
وهذا هو الإشكال الأهم، إذ قد يقال: إذا كان أهل المدينة يملكون عددا وعدة أكبر مما كان مع الإمام الحسين عليه السلام، فلماذا لم ينهض الإمام السجاد معهم؟
والجواب: أن المقارنة بين الحدثين من حيث العدد فقط ليست مقارنة صحيحة، لأن نهضة الإمام الحسين عليه السلام ووقعة الحرة تختلفان اختلافا جوهريا، وذلك من خلال التالي:
أولا: اختلاف القيادة:
في كربلاء كان قائد النهضة هو الإمام المعصوم نفسه، صاحب الحق الإلهي في قيادة الأمة، ولذلك كان خروجه جزءا من تكليفه الشرعي والإلهي.
أما في وقعة الحرة، فلم يكن الإمام السجاد عليه السلام قائد الحركة، ولم ترفع فيها راية الإمامة، ولم يكن مشروعها إعادة الأمة إلى قيادة أهل البيت عليهم السلام.
ثانيا: اختلاف الهدف:
كان هدف الإمام الحسين عليه السلام حفظ الإسلام من التحريف، وإقامة الحجة على الأمة، ولذلك أعلن أنه خرج لطلب الإصلاح في أمة جده، ولإحياء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أما حركة أهل المدينة فكانت تهدف إلى خلع يزيد بسبب فساده وظلمه، وهو هدف مشروع في نفسه، لكنه يختلف عن مشروع الإمامة الذي كان الإمام السجاد عليه السلام مسؤولا عنه.
ثالثا: اختلاف التكليف:
إن الإمام المعصوم لا يتحرك وفق موازين الكثرة والقلة وحدها، وإنما وفق التكليف الإلهي الذي ينسجم تماما مع الظروف الموضوعية لكل زمن.
ولهذا خرج الإمام الحسين عليه السلام مع قلة الأنصار، لأن قيامه كان هو التكليف الذي يحفظ الدين ويقيم الحجة، بينما لم يكن التكليف نفسه قائما بالنسبة إلى الإمام السجاد عليه السلام في وقعة الحرة.
فلو استشهد الإمام السجاد عليه السلام في تلك المعركة، لانقطع الامتداد المباشر للإمامة بعد كربلاء، ولخسرت الأمة القائد الذي حفظ تراث أهل البيت عليهم السلام، وربى جيلا من العلماء، وخلد مدرسة كربلاء بالبكاء وإقامة المآتم، وأظهر الصحيفة السجادية ورسالة الحقوق.
رابعا: اختلاف المصلحة:
كانت نتائج موقعة الحرة العسكرية تكاد تكون محسومة، بسبب التفوق الكبير للجيش الأموي، وقد انتهت بمجزرة مروعة لم تحقق إسقاط الحكم الأموي.
فالإمام كان يرى بعين الواقع نتائج الصدام العسكري مع الدولة الأموية بعد كربلاء، وكان يعلم اختلال ميزان القوى، وأن المواجهة المسلحة في تلك الظروف لن تحقق أهدافها، بل ستؤدي إلى كارثة جديدة، وهو ما وقع بالفعل عندما استبيحت المدينة وقتل أناس كثير وانتهكت الحرمات.
أما بقاء الإمام السجاد عليه السلام حيا، فقد حقق مصلحة أعظم؛ إذ حفظ خط الإمامة، وأعاد بناء الأمة فكريا وروحيا بعد الكارثتين: كربلاء والحرة.
فعدم المشاركة في القتال لا يعني تأييد السلطة، كما أن المعارضة لا تنحصر في حمل السيف.
لقد واجه الإمام السجاد عليه السلام الدولة الأموية بأساليب متعددة؛ بخطبه التي كشفت حقيقة أهل البيت، وبأدعيته التي غرست العقيدة والأخلاق، وبرسالة الحقوق التي أعادت بناء الإنسان، وبإحياء ذكرى كربلاء حتى بقيت حيّة في وجدان المسلمين.
كما قام أثناء وقعة الحرة بدور إنساني واجتماعي مهم، فآوى عددا من النساء والأطفال، وسعى إلى حماية من استطاع من أهل المدينة، فكان حضوره حضور المسؤولية، لا حضور المتفرج.
إن موقف الإمام السجاد عليه السلام من أحداث المدينة يجمع بين أمرين: رفض الانحراف الأموي، وعدم الانخراط في حركة لم تكن تمثل مشروع الإمامة الإلهية.
كما أن المقارنة بين نهضة الإمام الحسين عليه السلام ووقعة الحرّة لا ينبغي أن تقوم على كثرة العدد أو قلته، وإنما على اختلاف القيادة، والهدف، والتكليف، والمصلحة.
فالإمام الحسين عليه السلام نهض لأن نهضته كانت هي الطريق إلى حفظ الإسلام، والإمام السجاد عليه السلام لم ينهض في الحرة لأن حفظ الإسلام آنذاك كان يقتضي بقاء الإمام، واستمرار خط الإمامة، وإعادة بناء الأمة بعد المأساة.
ومن هنا تتكامل مواقف الإمامين، ولا تتعارض؛ فلكل مرحلة تكليفها، ولكل إمام دوره الذي رسمته الحكمة الإلهية، بينما يبقى الهدف واحدا: صيانة الدين، وحفظ رسالة النبي صلى الله عليه وآله، واستمرار خط أهل البيت عليهم السلام.

حسن كاظم

شارك برأيك: