في يَومِ المُعلِّم … حِينَ غَادرتُ المِهنةَ ولم تُغادِرني
بسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، وبه تعالى أستَعِين،
وبعد،،
🔸سَبعُ سَنواتٍ مَضَت منذ أن غادرتُ مَيدانَ التَّدريس، وطَوَيتُ صفحةً امتدَّت سَنواتٍ من عُمُري، غير أنَّه كُلَّما حَلَّ “يَومُ المُعَلِّم – ٠٥ أكتوبر” شَعرتُ بأنَّ المُعلِّم قد يتقاعد من مِهنتِه، لكنَّه لا يتقاعد من رِسَالتِه، فقد خَرجتُ من المَدرسة، ولم تَخرج المَدرسةُ من ذَاكِرَتي، وانقَضَت سَنواتُ التَّدريس، ولم تَنقضِ مَشاعرُ الانتِمَاء إلى تلك الرِّسَالة.
🔸حين كنتُ مُعلِّمًا، كُنتُ أظنُّ أنَّني أُعلِّم طُلَّابي، ثمَّ اكتَشَفتُ لاحِقًا أنَّني تعلَّمتُ منهم بقَدر ما تَعلَّموا مِنِّي، وربَّما أكثر.
🔸عَلَّمَني التَّدريسُ الصَّبرَ وقُوَّةَ التَّحمُّل، ووَسَّعَ مَعارِفي ومَدارِكي وثَقافتِي، كمَا علَّمَني فُنونَ التَّعامُل مع الآخرين، وتَفقُّدَ أحوَالِهم وتُحسُّسَ احتيَاجَاتهم، لقد مَنحَني التَّدريسُ القُدرةَ على أن أرَى في الطَّالب ما قد لا يراه هو في نفسِه، وأن أؤمِنَ بأنَّ كلمةً صَادقةً في وَقتِها قد تُغيِّر إنسَانًا، وأنَّ ابتسَامةً من مُعلِّم قد تبقَى في ذَاكرَة طالبٍ سَنواتٍ طويلة.
🔸اليَوم، وأنا أعيشُ بَعيدًا عن أجوَاء المَدرسة منذ سبع سنوات، أفتقدُ أحيانًا تفاصيلَ كنتُ أتعجَّبُ من تَعبِها يومًا؛ مشاكلَ الطَّلبة وضَجيجَهم، وحَركةَ الفُصول، وحتَّى تلك اللَّحظات الَّتي كُنتُ أعودُ فيها إلى البَيت مُثقَلًا من عناءِ يومٍ طويل.
🔸لقد أصبحَ بعضُ ما كُنتُ أعُدُّه تَعَبًا آنذاك جُزءًا من أجمَل ذِكريَاتي اليَوم.
وأجمَل ما في التَّقاعد أنَّني صِرتُ أنظرُ إلى تلك السَّنوات بعَينٍ مُختلفة؛ لم تَعُدِ الذَّاكرةُ تستَحضِر عناءَ المِهنة بقدر ما تستحضِر أثـرَها.
🔸أتذكَّرُ طَالبًا قال لي كلمةً أسعَدَتني، وآخَرَ رأيتُه بعد سَنواتٍ وقد أصبح شخصًا ناجحًا في حَياتِه وعَمَله، ووجُوهًا كثيرةً مَرَّت بي ثمَّ مَضَت في طريقِها، وبَقِيَت في قلبي دُون أن أشعُر.
🔸ربَّما لا يُدركُ المُعلِّمُ قِيمةَ ما قدَّمَه حقًّا إلَّا بعد أن يبتعد قليلًا عن المِهنة، فينظر إلى الوَراء فيكتشف أنَّ سَنواتِ عَملِه لم تكن مُجرَّد حِصَصٍ ودُروسٍ واختبارات، بل كانت أجيَالًا شارك في تَشكِيلها، وقلوبًا ترك فيها شيئًا من أثـرِه.
🔸لذلك، في “يَومِ المُعَلِّم”، أقُول:
كلُّ عَامٍ وإخوَاني وزمَلائي المُعلِّمون بخير …
وكلُّ عامٍ وأنا بخيرٍ، ما دُمْتُ أستطيعُ أن أقولَ بفَخرٍ واعتِزَاز:
كانَ لي شَرفٌ عَظِيمٌ أن كُنتُ مُعلِّمًا.
🔸فلَكَ الحَمدُ يا الله حَمْدًا كثيرًا على ما وَفَّقتَ ويَسَّرتَ وسَدَّدتَ.
٥ أكتوبر ٢٠٢٦م
بوابة النويدرات البوابة الإعلامية لقرية النويدرات