في رثاء المرحوم شاعر أهل البيت الأستاذ عبد الحسين سلمان للشاعر: جواد هيّات

في رثاء المرحوم شاعر أهل البيت الأستاذ عبد الحسين سلمان تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان
للشاعر: جواد هيّات

هَذَا رَثَاؤُكَ مِنْ قَوَافِي تَوَجُّعِي

وَمِدَادُ شِعْرِي مِنْ تَصَبُّبِ أَدْمُعِي

مَا زَالَ صَوْتُ النَّعْيِ يَمْلَأُ خَافِقِي

حُزْنًا وَيَقْرَعُ بِالتَّحَسُّرِ مَسْمَعِي

لَا لَسْتُ وَحْدِي مَنْ يَنُوءُ فُؤَادُهُ

بِالْخَطْبِ قَدْ أَبْكَيْتَ كُلَّ مُشَيِّعِ

لَا لَسْتُ وَحْدِي مَنْ يُسَرْبِلُنِي الْأَسَى

أَبْيَاتُكَ الثَّكْلَى قَدِ انْتَحَبَتْ مَعِي

وَإِلَيْكَ قَدْ بَثَّ الْأَذَانُ حِدَادَهُ

تَكْبِيرَةً رُفِعَتْ بِآهِ تَضَرُّعِ

وَتَوَافَدَتْ تِلْكَ الْمَآذِنُ عَلَّهَا

تَحْظَى بِمَا يَرْجُوهُ كُلُّ مُوَدِّعِ

أَمَسَتْ دُرُوسُكَ فِي خِضَمِّ كُرُوبِهَا

بَعْدَ الْفِرَاقِ تَعِيشُ حُزْنَ الْبَلْقَعِ

وَتَصَدَّعَ التَّعْلِيمُ نَكَّسَ رَأْسَهُ

فَكَسَا الْفُصُولَ بِوَحْشَةِ الْمُتَصَدِّعِ

هَذَا لِأَنَّكَ تَسْتَحِقُّ مَوَدَّةً

خُلِقَتْ بِأَمْرِ الْحُبِّ بَيْنَ الْأَضْلُعِ

أَعْطَيْتَ كُلَّكَ وَالْعَطَاءُ شَوَاهِدٌ

كُنْتَ السَّخَاءَ بِطِيبَةِ الْمُتَطَوِّعِ

يَزْهُو لِقَاؤُكَ بِابْتِسَامَتِكَ الَّتِي

تَمْحُو خُطُوطَ الْحُزْنِ دُونَ تَصَنُّعِ

شَهِدَ ابْئِضَاضُ الشَّيْبِ أَنَّكَ كَادِحٌ

بِرَحَى التَّصَبُّرِ شَامِخًا لَمْ تَجْزَعِ

وَوَقَفْتَ تَسْتَسْقِي النَّخِيلَ بِتُرْبَةٍ

صَاغَتْ وَلَاءَكَ وَقْفَةَ الْمُتَشَرِّعِ

حَتَّى بِصَمْتِكَ كُنْتَ ظِلَّ أُخُوَّةٍ

وَنَقَاءَ طَمْأَنَةٍ بِغَيْرِ تَرَفُّعِ

لَا تُمْحَى ذَاكِرَةٌ تَكَفَّلَ صَوْنَهَا

حُبُّ النَّبِيِّ بِنُورِهِ الْمُتَفَرِّعِ

أُسْتَاذِيَ الْمِعْطَاءُ فَضْلُكَ نَابِتٌ

بِصَمِيمِ رُوحِي وَاحْتِوَاؤُكَ مَرْجِعِي

وَقَدِ ارْتَشَفْتُ مِنَ انْهِمَارِكَ لَذَّةَ

الشِّعْرِ الْمُصَفَّى مِنْ يَقِينٍ مُتْرَعِ

لَا لَنْ يَجِفَّ مِدَادُ حِبْرِكَ وَحْيُهُ

عِشْقُ الْأَئِمَّةِ سِرُّ ذَاكَ الْمَنْبَعِ

لُقِّبْتَ “شَاعِرَ أَهْلِ بَيْتِ نُبُوَّةٍ”

مَا نَالَ هَذَا التَّاجَ إِلَّا الْأَلْمَعِي

إِيهٍ أَبَا سَلْمَانَ شِعْرُكَ هَادِرٌ

يَعْلُو الْمَنَابِرَ بِالْبَيَانِ الْمُبْدِعِ

وَثَّقْتَ بِالْكَلِمَاتِ عَهْدَ وَصِيَّةٍ

مِنْ نَبْضِكَ الْعَلَوِيِّ لَا لَمْ تُنْزَعِ

«يَا رَبَّنَا خُذْ مَا تَشَاءُ وَدَعْ لَنَا

كَنْزَ الْوَلَايَةِ فَهْيَ حِصْنُ الخُشَّعِ»

وَلَكَ اسْتَجَابَ اللهُ عِشْتَ مُكَابِدًا

وَرَحَلْتَ فِي خُلْدِ “الْبَطِينِ الْأَنْزَعِ”

مَاذَا أَقُولُ إِذَا أُسْتُهِلَّ مُحَرَّمٌ

وَأَحَاطَ زَيْنَبَ بِالْبَلَاءِ الْمُفْجِعِ؟

وَاللَّطْمُ عَطْشَانٌ لِقَطْرٍ مُوَشَّحٍ

لِيَقُولَ: يَا كُلَّ الصُّدُورِ تَوَجَّعِي!

لَوْ سَالَ حَرْفُكَ فِي الْحُسَيْنِ قَصِيدَةً

لَأَسَلْتَ مَدْمَعَنَا بِبَيْتِ الْمَطْلَعِ

وَأَخَذْتَنَا بِأَسَى النَّوَاعِي لِكَرْبَلَا

حَيْثُ الْحُسَيْنُ هَوَى بِذَاكَ الْمَضْجَعِ

وَأَرَيْتَنَا الْحَوْرَاءَ يَعْثُرُ خَطْوُهَا

خَلْفَ الْجَوَادِ مَشَتْ لِظِلِّ الْمَصْرَعِ

شَاهَدْنَهَا بِخَيَالِ شِعْرِكَ عَايَنَتْ

قَطْعَ الْوَتِينِ وَرَضَّ بَاقِي الْأَضْلُعِ

وَكَأَنَّ أَرْضَ الْغَادِرِيَّةِ زُلْزِلَتْ

وَكَفُوفُ كَافِلِهَا تَقُولُ لَهَا: ارْجِعِي!

«أَنَا ذَلِكَ الْعَبَّاسُ تَنْضَحُ غَيْرَتِي

جُودًا وَإِنْ جُدِلَتْ تَثَأْرُ أَذْرُعِي»

رَجَعَتْ وَنِيرَانُ الْخِيَامِ تُحِيطُهَا

مَا بَيْنَ زَمْجَرَةِ السُّيُوفِ وَصُرَّعِ

وَقَدِ اعْتَلَى الرَّأْسُ الشَّرِيفُ عَلَى الْقَنَا

يَشْتَاقُ نَحْرًا مُهَشَّم مُتَوَزِّعِ

وَتَكَادُ تُسْمِعُنَا الْإِبَاءَ مَلَاحِمًا

بِرَثَاءِ خَطْبِ الثَّائِرِ الْمُتَمَنِّعِ

لَا تَرْضَى أَنْ تَصِفَ الْحُسَيْنَ مُطَوَّقًا

بِالذُّلِّ كَيْ تَحْظَى بِجَرْيِ الْأَدْمُعِ

وَتَظَلُّ زَيْنَبُ فِي الرَّثَاءِ عَزِيزَةً

وَهِيَ الَّتِي قَهَرَتْ بِمَوْقِفِهَا الدَّعِي

وَمِنَ الْهَوَادِجِ تَسْتَغِيثُ بِقَائِمٍ:

«يَا شَمْسَ يُوسُفَ بِالْبِشَارَاتِ اسْطَعِي»

طُوبَى أَبَا سَلْمَانَ أَنَّكَ هَاهُنَا

بَيْنَ الشَّعَائِرِ فِي الْمَقَامِ الْأَرْفَعِ

سَيَظَلُّ قَبْرُكَ بِالْوَلَايَةِ رَوْضَةً

غَنَّاءَ تَصْدَحُ بِالْعُرُوجِ الْأَرْوَعِ

جواد هيات

شارك برأيك: