الشخصية الطريفة في التراث الأدبي
تعتبر الشخصية الطريفة من أكثر الشخصيات حضورا في التراث الأدبي العربي، إذ لم يكن دورها يقتصر على إضحاك الناس وإدخال السرور إلى نفوسهم، بل كانت تؤدي رسالة اجتماعية وثقافية عميقة، فتنتقد العيوب بأسلوب لطيف، وتكشف الأخطاء من خلال الدعابة والذكاء وسرعة البديهة. ولهذا احتفظ التراث العربي بعشرات الأخبار والنوادر التي أصبحت جزءا من الذاكرة الأدبية والثقافية.
وتتميز الشخصية الطريفة بعدة صفات: حاضرة الذهن، قوية الملاحظة، سريعة الجواب، قادرة على تحويل المواقف العادية إلى مواقف مضحكة تحمل في طياتها حكمة أو درسا؛ لذلك هي محبوبة لدى الجميع. فهذه الشخصيات كانت كثيرا ما تستخدم الفكاهة لتخفيف حدة الخلاف، أو لنقد بعض الصفات السيئة كالبخل، أو السخرية من الجهل، أو تقويم بعض السلوكيات الاجتماعية دون تجريح أو إساءة.
وقد حفلت كتب الأدب العربي بأخبار هؤلاء الظرفاء، ومن أشهرهم أشعب الطماع الذي عُرف بطمعه الشديد، حتى أصبحت قصصه مضربا للأمثال في الطمع وخفة الروح. ومن الشخصيات المشهورة أيضا جحا الذي يقال أنه العالم المعروف الخواجه نصير الدين الطوسي، حيث انتشرت نوادره في مختلف البلدان العربية، وتميزت قصصه بأنها تجمع بين الطرافة والحكمة، حتى أن بعض مواقفه تبدو في ظاهرها ساذجة، لكنها تخفي نقدا ذكيا للعادات أو تصحيحا للمفاهيم.
ومن أعلام الظرافة كذلك أبو دلامة، شاعر العصر العباسي، الذي اشتهر بسرعة بديهته وقدرته على الارتجال وإضحاك الخلفاء والحاضرين، كما عرف بأسلوبه الساخر الذي جمع بين الشعر والفكاهة. ومن أبرز النوادر التي ذكرتها كتب التراث عنه أنه كان في مجلس الخليفة العباسي أبوجعفر المنصور، وقال له الخليفة يا أبا دلامة اهجُ أحد الحاضرين في المجلس وإلا قطعت لسانك فطلب من الخليفة أن يعفيه من ذلك لكن الخليفة ألح عليه، فنظر أبودلامة إلى الحاضرين وكلهم أعيان القوم، فما كان منه إلا أن قال للخليفة: أنت قلت أحد الحاضرين وأنا أحد الحاضرين فهجا نفسه؛ فضحك المنصور من بديهيته وخروجه من الموقف المحرج وأمر له بعطاء.
ويبرز أيضا بهلول الذي نسبت إليه مواقف كثيرة تحمل الحكمة في ثوب الدعابة، فكان يستخدم الأسلوب الساخر الطريف لإيصال المعاني العميقة والنصح غير المباشر.
وقد زخرت كتب التراث، مثل كتاب البخلاء للجاحظ، وكتاب عيون الأخبار لابن قتيبة، وكتاب العقد الفريد لابن عبد ربه، وكتاب المستطرف للأبشيهي، بثروة كبيرة من النوادر والطرائف التي تكشف طبيعة المجتمع العربي، وعاداته، وأساليب التفكير فيه، كما تظهر براعة الأدباء في تصوير الشخصيات بأسلوب ممتع يجمع بين الأدب والتاريخ.
ومن النوادر اللطيفة في كتاب البخلاء، أنه اجتمع أصحاب من البخلاء في مجلس في الليل، ونفد زيت المصباح؛ فجمعوا من كل واحد قطعة نقدية ليشتروا زيتا للمصباح، إلا واحدا منهم لم يساهم معهم في الدفع، فلما أحضروا الزيت أغمضوا عينية وهو جالس معهم.
إن الشخصية الطريفة ليست شخصية هزلية فحسب، بل هي شخصية واعية استطاعت أن تجعل من الابتسامة وسيلة للإصلاح، ومن الفكاهة بابا للحكمة، ولذلك بقيت أخبار الشخصية الطريفة حيّة في كتب الأدب، تتناقلها الأجيال، وتستمتع بها، وتستخلص منها العبر والدروس، لتؤكد أن الضحك الهادف لون من ألوان الأدب الراقي الذي يجمع بين المتعة والفائدة.
حسن كاظم
بوابة النويدرات البوابة الإعلامية لقرية النويدرات