شخصية النبي التي لابد أن نقتدي بها
النبي محمد صلى الله عليه وآله ليس شخصية كأي شخصية عظيمة تُقرأ سيرتها في صفحات التاريخ ثم تُطوى، ولا سيرةً تُروي أحداثهاللعلم والمعرفة، بل هو قدوة تمتد من الماضي إلى الحاضر، ومن السيرة إلى الحياة، ومن الكلمات إلى السلوك.
وحينما يكون الحديث عن النبي، فالحديث عن نموذج إنساني أراد الله تعالى أن يبقى حيّا في ضمائر المؤمنين؛ نراه في أخلاقنا، وفي تعاملنا مع الناس، وفي بيوتنا، وفي مجتمعاتنا، وفي طريقة مواجهتنا للحياة.
قال تعالى:
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)
فالآية تشير إلى أن النبي (أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) أي هو القدوة الصالحة والنموذج الكامل الذي يُقتدى به في الأقوال والأفعال والأحوال.
فكيف نجعل النبي قدوة في حياتنا؟
النبي أخلاق وقيم تمثلت في الواقع:
القرآن يصف عظمة أخلاقه بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيم).
إن أجمل وأعظم ما يراه الناس في الإنسان ليس كثرة كلامه، ولا مظهره، ولا مكانته، وإنما أخلاقه.
فكان النبي رحيما، متواضعا، صادقا، حليما، عفوا، قريبا من الناس.
ولذلك فإن الاقتداء به لا يكون فقط بكثرة الحديث عن محبته، وإنما بأن نسأل أنفسنا:
هل نحن رحماء كما كان؟
هل نعفو كما كان يعفو؟
هل نحسن إلى من أساء إلينا؟
هل نحفظ كرامة الإنسان مهما اختلفنا معه؟
هل نملك أنفسنا حين نغضب؟
فالمحبة الحقيقية للنبي ليست باللسان فقط، وإنما سلوك يظهر عندما نُختبر ونكون في المواقف الصعبة والبلاء.
النبي في بيته:
ومن الجوانب العظيمة في شخصية النبي أنه لم يكن عظيما في المسجد فقط، ولا أمام أصحابه فقط، بل كان عظيما في بيته.
فالقيمة الحقيقية للإنسان تظهر عندما يعود إلى منزله، حيث لا جمهور ينتظر تصفيقه، ولا عيون تراقب صورته.
هناك تظهر الرحمة، والصبر، وحسن المعاشرة، والابتسامة، والكلمة الطيبة.
فمن يريد أن يقتدي بالنبي، فليبدأ من بيته.
حيث فليكن أكثر رحمة بأهله، وألطف كلاما مع زوجته، وأقرب إلى أبنائه، وأصبر على أخطائهم.
فمن الغريب والعجب أن نتحدث عن رحمة النبي للعالمين، ثم يكون أقرب الناس إلينا أكثر الناس معاناة من أخلاقنا.
النبي قائد يصنع الإنسان:
لم يكن النبي قائدا يبحث عن أتباع يصفقون له، بل كان مربيا يصنع الإنسان.
لقد كان يزرع في أصحابه الثقة، ويمنحهم المسؤولية، ويعلمهم، ويستمع إليهم، ويعامل كل إنسان بما يناسب شخصيته وقدرته.
ومن هنا جاءت عظمة القيادة لديه.
فالقائد الحقيقي ليس من يجعل الناس يعتمدون عليه في كل شيء، بل من يستطيع أن يجعل من حوله أقوى وأفضل وأكثر قدرة على العطاء.
وهذه قيمة نحن بحاجة إليها اليوم في الأسرة، والمدرسة، والعمل، والمجتمع.
النبي الرحمة قبل القوة
قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)
لقد كانت الرحمة روحا حاضرة في شخصيته صلى الله عليه وآله.
فكان رحمة بالضعيف، ورحمة بالفقير، ورحمة بالشيخ الكبير ورحمة بالطفل، ورحمة بالمرأة، ورحمة بالإنسان.
وكانت الرحمة عنده ليست ضعفا، بل قوة أخلاقية.
ومن هنا نحن بحاجة إلى أن نفهم معنى الاقتداء به.
فليس المطلوب أن نعيش في عالم مثالي لا توجد فيه المشكلات، وإنما المطلوب أن نتمثل روح النبي ونحن نواجه مشاكل الحياة.
حين نختلف، علينا أن نكون رحماء.
حين نغضب، علينا أن نكون رحماء.
حين ننتقد، علينا أن نكون رحماء.
وحين نمتلك القدرة على الانتقام، علينا أن نتذكر قيمة العفو.
النبي كان التواضع الذي يرفع شأن الإنسان
كلما ارتفع وعلا شأن الإنسان الحقيقي، ازداد تواضعه.
حيث كان النبي، مع عظيم مقامه وسمو شأنه، قريبا من الناس، يجالسهم، ويستمع إليهم، ويشاركهم أحوالهم.
فكان مع الناس لخدمتهم وهدايتهم.
وهذا درس عظيم لنا: أن المكانة الحقيقية لا تحتاج إلى استعلاء.
فالإنسان العظيم لا يحتاج أن يشعر الآخرين بصغرهم حتى يشعر بعظمته.
النبي كان القوة التي تضبطها الأخلاق:
حيث القوة وحدها لا تصنع إنسانا عظيما. فقد يمتلك الإنسان المال ولكن لا يمتلك الرحمة، وقد يمتلك السلطة ولا يمتلك الحكمة، وقد يمتلك القدرة على الرد لكنه لا يمتلك القدرة على ضبط نفسه.
أما النبي فقد جمع بين القوة والأخلاق. كان شجاعا، لكنه لم يكن مندفعا. وكان قويا، لكنه لم يكن ظالما.
وكان قادرا، لكنه كان عفوا.
وهذه من أعظم الدروس التي نحتاج إليها في حياتنا:
أن تكون قويا، ولكن لا تؤذي.
أن تكون قادرا، ولكن لا تظلم.
أن تستطيع الرد، ولكن فليكن بالحكمة.
الاقتداء بالنبي يبدأ من التفاصيل الصغيرة:
قد نتصور أن الاقتداء بالنبي يحتاج إلى أعمال عظيمة، بينما قد يبدأ من أمور صغيرة جدا مثل:
أن تبتسم في وجه إنسان
أن تقول كلمة طيبة.
أن تسامح شخصا أخطأ في حقك.
أن تساعد محتاجا.
أن ترفع الأذى عن طريق إنسان.
أن تصغي إلى شخص يحتاج إلى من يسمعه.
أن تكون صادقا عندما يكون الكذب أسهل.
أن تؤدي الأمانة عندما لا يراك أحد.
أن تحفظ لسانك عندما يكون الرد جارحا.
وغيرها من الأمور الصغيرة والتي يكون لها أثر كبير.
فهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الشخصية التي تقتدي بالنبي محمد في حياتنا.
من محبة النبي الاقتداء به
نحن نحب النبي صلى الله عليه وآله:
من محبتنا نذكره، ونصلي عليه وعلى آله، ونحتفل بمولده، ونقرأ سيرته، ونبكي لفراقه.
فكل ذلك جميل، ولكن السؤال الذي يبقى:
ماذا غير النبي فينا؟
هل جعلنا أكثر صدقا؟
أكثر رحمة؟
أكثر تسامحا؟
أكثر احتراما للآخر؟
أكثر وفاء؟
أكثر تواضعا؟
فالتمثل بذلك، يجعل المحبة تتحول إلى اقتداء.
أما إذا بقي النبي في كلماتنا ولم يصل إلى أخلاقنا، فإننا لم نصل بعد إلى المعنى الكامل للمحبة والاقتداء به.
النبي قدوة لكل زمان
قد تتغير الأزمنة، وتتغير وسائل الحياة، وتتطور التكنولوجيا، وتتبدل المجتمعات، لكن الإنسان يبقى بحاجة إلى الصدق والرحمة والعدل والتواضع والحكمة، فهذه ليست قيم نسبية بل ثابتة في كل زمان ومكان.
ولهذا تبقى شخصية النبي حاضرة في كل زمان ومكان.
فهو قدوة للأب في رحمته.
وقدوة للزوج في حسن معاشرته.
وقدوة للمعلم في تربيته.
وقدوة للقائد في عدله.
وقدوة للصديق في وفائه.
وقدوة للإنسان في أخلاقه.
وبهذا تتحول السيرة من كتابٍ نقرؤه إلى حياة نعيشها.
وأخيرا، النبي ليس مجرد شعور بالمحبة له، بل نهج نقتدي به.
ليس مجرد ذكرى نحتفل بها، بل قيم نحييها.
ليس مجرد سيرة نرويها، بل أخلاق نتمثلها.
فإذا أردنا أن نحتفل بمولد النبي حقا، فلنحمل شيئا من رحمته إلى بيوتنا، وشيئا من صدقه في معاملاتنا، وشيئا من عفوه في علاقاتنا، وشيئا من تواضعه في حياتنا.
اللهم ارزقنا حب محمد وآل محمد، والاقتداء بهديهم، والسير على نهجهم، واحشرنا معهم وفي زمرتهم، وصل اللهم على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين.
حسن كاظم
بوابة النويدرات البوابة الإعلامية لقرية النويدرات